Advanced Search

المحرر موضوع: نحو نظرية في الابداع العلمي  (زيارة 2982 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

أكتوبر 19, 2002, 02:10:53 صباحاً
زيارة 2982 مرات

المعلم الثالث

  • عضو متقدم

  • ****

  • 749
    مشاركة

    • مشاهدة الملف الشخصي
نحو نظرية في الابداع العلمي
« في: أكتوبر 19, 2002, 02:10:53 صباحاً »
القسم الأول: نمطية الاختلاف:
                     
   أولا: على مستوى الجماعات:

في مفهوم الهجرة (قديما وحديثا)كان خلاص كثير من الأرواح المعذبة ،ولا تكاد تجد بين أصحاب المجد وبين طبقات المثقفين والعلماء من كون حصيلته في مكان ولادته ، بل على العكس ،عانى اغلبهم من اضطهاد المجتمع وعدم التفهم لطاقاتهم الدفينة ،كادت تودي بهم إلى الجنون . وفي رأيي هذا التصرف من المجتمع منطقي ، فالبيئة ترفض الطفرات وتتنحى عن المختلفين ،والنمطية في المجتمعات هي الأصل والأعم ،ويخطئ من يطلب من أي مجتمع تقبل التمييز والاختلاف بهذه السهولة.
لذا على المختلف (ولنستعمل هذا المصطلح للتعبير عن حالة الإبداع ) أقول على المختلف البحث عن بيئة تتبناه  (وليس مجتمع )لان الاختلاف لا يقبله المجتمع إلا بعد ثبوت فعله وقيمته ،والبيئة المطلوبة لتنمية الاختلاف يجب أن تحوي مختلفين ،لتكون نواة لمجتمع من الاختلاف،تعين على التقدم والتطور.
وهذا حال الهجرة النبوية ،إذ تجمع طائفة من المؤمنين ،في بيت واحد ، كان جنة لهم ،فيه يجد كل منهم ذاته ،ويرى من التقبل والاحترام والمشاركة ما يدفعه دفعا لمزيد من التمسك باختلافه وتميزه ، ثم كبر مجتمع الإيمان، نمى بنمو إيمان قاطنيه وبإيمان الآخرين بإيمان هؤلاء المؤمنين (يقول أحد مفكري الغرب :إن أيماننا في العادة هو إيمان بإيمان شخص آخر ،آمن بي يكون من السهل عندي أن أؤمن بنفسي ). وكبر الاختلاف وصار مذهبا ....وجاءت مرحلة الجهر بالدعوة ،حيث تكونت قاعدة من الاختلاف قوية وقادرة على دعم اختلاف كل واحد من أعضائها ، وكانت مرحلة الجهر ،مواجهة مع المجتمع النمطي ، لا تهدف إلى الفوز (حيث أن الإيمان لا يدخل القلب في المواجهة ،بل لا بد من الهدوء والعقل المتفتح، حتى يتبلور الإيمان) كان الهدف من الجهر بالدعوة ،فقط إثبات الوجود ،أن يقول المختلفون للنمطيين "نحن موجودون" .
واستمرت الحياة والمواجهة ،حتى اعجب النمطيون بإخلاص هؤلاء المختلفين وتمسكهم باختلافهم ،ولكن العناد قادهم إلى رفض هذا الاختلاف.
المرحلة القادمة هي الهجرة، أي تعميم مبدأ الاختلاف وبناء مجتمع متكامل من المختلفين .
سؤال :لماذا تفشى الإيمان في المدينة المنورة ،ولم يتفشى في مكة زمن البعثة ،ولماذا تقبل أهل المدينة الإسلام ولم يتقبله أهل مكة ؟.
لان إيمان نمطيي مكة بإخلاص المختلفين ،مع رفضهم هذا الاختلاف عنادا ،دفع نمطيي المدينة إلى البحث عن هذا الاختلاف وتفهمه ،علما بعدم وجود أي تصادم مسبق بين نمطيه أهل المدينة واختلاف هذه المجموعة من المكيين ، وبعد الاستماع إلى المختلفين (بعقل متفتح وآذان صاغية ) دخلت الفكرة إلى قلوب هؤلاء النمطيين(المدنيين) ،وعادوا إلى المدينة،وحيث أن نمطيتهم السابقة كانت موضع احترام من كل النمطيين في المدينة ،فقد فرض اختلافهم الجديد احترامه أيضا ،ولكن بدون مواجهة (كما حدث في مكة)فصار الاختلاف (الإسلام)موضع نقاش ،وليس موضع خلاف (كما في مكة)......فتقبله أهل المدينة،لدرجة اصبح الإسلام هو نمطية أهل المدينة والكفر هو اختلاف الأقلية منهم (على ما في الاختلافين من فروق جوهرية).
إن الإنسان في ذاته مجتمع صغير ،وخطوات نشر الاختلاف في المجتمع يمكن تخصيصها لتطبق على مستوى الفرد .
وعليه ،لا بد أن يدرس الإنسان خطواته ويفهم سيرورة التغيير في الذات وفي المجتمع ،وان يدرك الصعوبات الجمة التي تواجه التغيير والاختلاف، لا بد من ذلك حتى يعطي الواحد منا الفرصة لاختلافه في الوجود.


   ثانيا:على مستوى الأفراد:

إن عملية التغيير ،شاقة ومتعبة ،والتغيير عادة ما بيداء فكرة شاردة في تلافيف أحد المختلفين ،وقد أشار الإسلام إلى أن اعظم جهاد (تغيير ) هو جهاد النفس ، ونظرا لصعوبة التغيير ،كان لا بد من اتخاذ تدابير مدروسة ،والعمل وفق خطة مدروسة لإحداث القدر الكافي من التغيير  .
والتغيير على مستوى الفرد يتطلب مجموعة من المقومات والخطوات التي لابد منها حتى لا تنتهي العملية إلى نفس الفشل السابق.......وفي رأيي أن من ينجح في إجراء عملية تغيير جذرية في ذاته ،هو على الأقل من العظماء ولو لم يهتف باسمه أحد .
 
 ابرز دواعي التغيير :


1-   الشعور بالرغبة والحاجة إلى التغيير. وارى انه ابرز داعٍ من دواعي التغيير،فالشعور هو اصدق وسيلة تدل على وجوب التغيير .
2-   عدم تطابق واقع الفرد مع رؤاه و طموحاته وتصوره لكيف"يجب أن أكون".
3-   وجود فرص تحقق للفرد الاختلاف ولو كانت بعيدة المنال .

 منهجية التغيير (إبراز الاختلاف )على مستوى الأفراد :
 

1-   المعرفة . أي أن تكون المعرفة قبلة الفرد ومحرابه ،وان يسعى إلى المعرفة الصادقة بالخلاص وتجرد .
2-   الالتزام بأرفع القيم في المجتمع . إذ أن المعرفة وحدها ليست كفيلة بأن تضع الفرد في المكان اللائق به ،فالمعرفة المعزولة عن الأخلاق ،ضرب من ضروب الجنون.
3-   البحث عن الاختلاف و أهله ،والانتماء إليهم و إخلاص  العمل في سبيل بلورة الاختلاف الى نماذج محسوسة.
4-   جعل التغيير منهجا للمختلف ،و الجهر بهذا التغيير .
5-   الصبر على الأذى وعدم الفهم ،واثبات جدوى الاختلاف والتمسك به .
6-   الهجرة .والبحث عن بيئة مناسبة لتطوير نواة الاختلاف التي كونتها المراحل السابقة .
7-   الانتقال من الاختلاف كاختلاف ،إلى مرحلة الاختلاف كنمطية، بمعنى أن النمطية هي الشيء المألوف والمتكرر، وهو نمط الحياة لدي معظم الناس، فالنمطية هي نمط حياة العامة، عند مرحلة ما وبعد جهد وعناء بإمكان أي إنسان أن ينقل حياته إلي مرحلة أسمى هي مرحلة الإبداع كنمطية، أي أن الفرد يمارس الإبداع كما يمارس الجنس أو تناول وجبة غداء دسمة أو احتساء كوب من قهوة الصباح. هذه هي مرحلة الإبداع كنمطية، وكل من اسهموا في تقدم البشرية أو تقرير مصيرها أو حتى بناء نمط حياة جميل وجذاب ومميّز عاشوا في هذه المرحلة يوما ما، بغض النظر عن ميول كل منهم.


   ثالثا: نموذج حي :
   
لعل أحد اشهر العلماء العرب المعاصرين، كان الدكتور فاروق الباز رئيس معهد  الاستشعار عن بعد في إحدى ابرز الجامعات الأمريكية، و"رجل القمر والمريخ" كما يسميه رفاقه من علية القوم.لهذا الرجل قصة طريفة، تشحذ الخاطر وتعلي همة من لا همة له، واقتبس بتصرف بعض ما قاله الدكتور الباز نفسه ضمن حلقة لبرنامج موعد في المهجر، الذي تبثه قناة الجزيرة، وعبر موقعها www.aljazeerah.com :
فاروق الباز، فتى مصري اسمر، من أبناء النيل العظيم، ولد في الصعيد ونشاء هناك حيث البساطة والهدوء على المستويين البيئي والمعرفي، يذكر "رجل القمر والمريخ" أن هذا الفتى كانت له أُم غاية في الذكاء الفطري، وكان جده كثيرا ما يشير إلي "الود فاروء" بالقول " الو ده فاروء زكي".....لكن الجد لم تسعفه الأيام ليقول " الود فاروء بتاع الامَر والمِريخ".
واكمل "الود فاروء" الثانوية العامة من إحدى مدارس الصعيد وبتفوق، الأمر الذي أهله للذهاب إلي القاهرة "البندر" لإكمال الدراسة الجامعية هناك. في الجامعة سأله عميد الكلية عن التخصص الذي يرغب في دراسته، وكان جواب "الود فاروء": " هي ايه التخصصات الي عندكم؟"، اخبره العميد بمجالات اهتمام عدد من التخصصات ومن ضمنها تخصص الجيولوجيا، الذي استوقف "الود فاروء"، نظرا لمعالجته لموضوع البيئة والتضاريس والطبيعة ولأن العميد قال له ايضا أن جزءا من الدراسة ميداني، في الجبال والسهول.
بدأ  "الود فاروء" الدراسة الجامعية بتفوق، وتزوج من فتاة من نفس الطبقة،أعانته شأن كل النساء العظيمات،وانتهى "الود" متفوقا كما بدأ، ابتعث بعدها لإكمال الدراسة في احدى الدول الغربية( لا اذكر أهي أمريكا أم غيرها) اقول ابتعث للحصول على الماجستير والدكتوراه، وكذلك فعل، ورغم تفوقه الدراسي، لم يكن إلي ذلك الوقت قد ابرز الكثير من قدراته البناءة أو لوحظت فيه، إنما كان متفوقا أكاديميا!! (والفرق بين المقدرة البناءة والتفوق الأكاديمي شديد!!'<img'>.
عند عودته إلي ثرى وطنه العظيم مصر، ارض النيل ومصنع الرجال، كان استقباله في الصعيد باهرا، فهو من أوائل أبناء المنطقة الذين يحصلون على شهادة الدكتوراه، ومضت أيام جميلة وردية من الاستقبالات و العزائم والأفراح، لتذهب بعدها السكرة وتأتي الفكرة.
من البنود الأساسية في عقد ابتعاث "الأستاذ فاروء"  للحصول على الدكتوراه، بند يتضمن التزام المبتعث بالعمل لصالح الدولة وفي احدى كلياتها الجامعية مدة عشر سنوات، يكون بعدها فاكا للالتزام وحرا في العمل لدى أي جهة يختارها. تقدم "الدكتور فاروء" بأوراقه إلي الجهات الرسمية بهدف التعيين كمحاضر في احدى كلياتها، وابرم عقدا حول ذلك، في نفس يوم التقديم وفي الطابق الأرضي من المبنى التقى "الدكتور فاروء" بأحد اعز أصدقائه وزميل حاصل على نفس الدرجة، اخبره هذا الصديق أن تقديم أوراقه إلي الجهات المسئولة يعني تطبيق شروط البند المذكور سابقا عليه. وهذا ما لم يخطر "للدكتور فاروء" ببال، بل انه لم يتمالك نفسه غضبا وخوفا. انتهى اللقاء بين الطرفين....اخذ "الدكتور فاروء" بالتفكير في مخرج لهذا المأزق، فكان منه أن صعد السلم عدة طوابق، ثم يقرع باب الموظف المسئول بكل أدب ولطف....(الموظف):ادخل..... "الدكتور فاروء" :متشكر ، لكن فيه ورءه لازم أعدلها، ممكن أشوف الملف بتاعي، بعد ازن حضرتك!.....(الموظف بنبرة احترام لدكتور): أتفضل حضرتك.....وما أن امسك "للدكتور فاروء" الأوراق حتى راح يمزقها واحدة واحدة أمام عيني الموظف المنبهر من مدى جنون شاب صعيدي حاصل على الدكتوراه حديثا...وهل يعقل "أن يفوت إنسان عائل فرصه زي ده بِكَزى جنيه.....العيال تجننت ولا ايه!!!!!!!!!!!"
جلس "الدكتور فاروء" المتزوج و الأب لطفلين، في البيت عدة اشهر، وكان ينفق من ما حصل عليه أثناء ابتعاثه للدكتوراه، ولما شحت وهزلت، لم يجد حلا إلا السفر بأسرته إلي أمريكا والبحث عن فرصة غير مؤكدة للعمل هناك.
في أمريكا، عانى الباز الأمَرّين، لكنه لم ييأس من جدوى البعث بمزيد من طلبات التوظيف، وتقليب صفحات الجرائد والمجلات، بحثا عن فرصة مناسبة،بانتظار الرد. قدم "الدكتور فاروء" 121 طلب توظيف، كان آخرها لوظيفة في وكالة أبحاث الفضاء الوطنية NASA.
من دواعي الاعتبار الرائعة، تلك الصدفة الغريبة، فالطلب الوحيد الذي تلقى "الدكتور فاروء"  الرد عليه كان الطلب رقم 121، وكانت تلك الوظيفة أولي الوظائف التي يشغلها عن قناعة وكفاءة منذ دخوله أمريكا.
كانت الوظيفة هي العمل ضمن فريق للأبحاث حول جغرافية سطح القمر وتضاريسه. يقول "الدكتور فاروء" عن طبيعة العمل مع هذا الفريق: احنا في الجامعة مدرسناش (لم ندرس) أي حاجه عن الاًَمَر( القمر) بالكاد درسنا الأرض"..بعد برهة من انضمامه إلي الفريق، عقدت ندوة حول طبيعة احدى التضاريس على سطح القمر. شارك "للدكتور فاروء" في الندوة بالحضور فقط، فليس لديه أي معرفة بتضاريس القمر. يقول "للدكتور فاروء": وأنا جالس...ملت تجاه واحد من الحاضرين وسألته: هو انتم تعرفوا كتير عن تضاريس الاَمَر؟؟؟...(نظر الرجل متعجبا من مدى جهل هذا الشرق أوسطي الملامح).....وقال: نعرف كل حاجة من تضاريس الاَمَر.....فسألته:طب فين احصل خريطة مفصلة لتضاريس الامَر......( اطرق الرجل قليلا) وقال: أتوقع ما فيش حاجه زي كده لدلوئت(لغاية الآن).....انتهت الندوة. وعاد الباز إلي مكتبه في ردهة من ردهات ناسا الواسعة.وراح يسأل عن مكان يجد فيه أرشيف صور القمر القديمة والحديثة، وفعلا اخذ مفتاح هذه الغرفة، التي يصفها بأن سماكة الغبار فيها تزيد عن سم واحد.واخذ يقلب الصور واحدة واحدة، وينظر إلي هذه بمسقط 20 درجة وتلك بمسقط 30 درجة، قام بجدولة اكبر قدر من الصور لكل بقعة من بقاع هذا العالم المجهول. أثناء ذلك استمر في مطالعاته المتنوعة والمتعلقة بتضاريس القمر...وتفتقت عبقرية الرجل الأسمر....في الندوة التالية بعد ستة اشهر، ألقى الباز محاضرة حول الخريطة التي تمكن من استكمال عناصرها خلال ستة شهور فقط وكان الأولى من نوعها على مستوى العالم!!....من المواقف التي يذكرها "رجل القمر" عن هذه الندوة: أن نفس الرجل الذي سأله في الندوة الأولى( بغباء شرق أوسطي مألوف!!'<img'>....وقف في الندوة الثانية، وتوجه إلي الحاضرين بالقول: يا سادة، هذا الرجل سألني قبل ستة شهور فيما اذا كان هنالك لدى العلماء معرفة كاملة عن تضاريس القمر....اليوم يقدم للعلماء كل ما لا يعرفونه عن تضاريس القمر!!!!!
واستمرت نجاحات الباز المستمرة، حتى قال عنه،أحد تلاميذه و أول رجل خطى على القمر: "لابد أن الباز كان في القمر يوما ما!!!!!...."
يقول " رجل القمر والمريخ" عن بعض منتقديه: يقول البعض بأني مغرور وان لدي ثقة زائدة، وفي الحقيقة لا يمت الأمر للغرور، بل انه الثقة في المقدرة فحسب، أنا لا أقوم بشيء إلا اذا تعلمت كل ما أستطيع تعلمه عنه. وقبل أن أخطو أي خطوة، لا بد أن ادرس كل الاحتمالات الممكنة.
              
 
 تطبيق المراحل السابقة على حياة د.فاروق الباز :

1-   المعرفة: وتتمثل في تمسكه بإكمال دراساته العليا في أمريكا .........
2-   القيم :وتتمثل في قوة شخصيته ومواقفه والتزامه وزواجه المبكر (والزواج المبكر دليل على التزام قيمي كبير )
3-   السعي للاختلاف :وتمثل برفض العمل في وزارة المعارف المصرية ،والتقيد الصارم بأنظمة بيروقراطية التعليم في العالم العربي .
4-   الجهر :وتمثل في رفضه لكل القيم المرتكزة على التمسك بالوظيفة ،والإصرار على العمل في مجال منفتح الأفاق .
5-   الهجرة :وتمثلت في السفر إلى أمريكا ،بحثا عن عمل هناك يحقق طموح الباز ورغبته في التغيير .
6-   الصبر وتقديم 121 طلب وظيفة
7-   الانتقال من الاختلاف كاختلاف إلى الاختلاف كنمطية :وتمثل في العمل لدى ناسا ، وتفريغ كامل طاقاته وقدراته في التخيل والابتكار ، وجعل هذا التفريغ نمط حياته اليومية ،بدلا من بقاء التفريغ  حلم أو  غاية تُسعى إليها (انه الانتقال من "الود فاروق ده زكي " إلى " البروفيسور الباز رجل القمر والمريخ" ).


 يعقيب:


 ولم أتطرق إلى تفصيلات المرحلة 7 (الهجرة) كثيرا ،لان بيئة التغيير تحفز الإنسان المختلف بشكل طبيعي وغير متوقع .....ويكون الاختلاف (الإبداع) عادة تتبلور حولها الحياة، لا غاية يمزق الحياة غيابها وعدم الاعتراف بها ،كما في المراحل الستة السابقة .

فمتى وضع الإنسان في بيئة ترعى الإبداع ،فان الإبداع يتدفق من كل جوارحه ، ولا يعود هناك أي داعي لتأطير الإبداع أو وضع الخطط المحفزة للإبداع .
والإبداع والنمطية وجهان لكل إنسان ،ففي كل منا بذرة للإبداع وأخرى للنمطية ، والظروف هي التي تحدد مدى نمطية هذا أو إبداعية ذاك ،و العاقل ليس القانع بالواقع ،العاقل من يضع نفسه في بيئة تدعم الإبداع وتطوره ، والإبداع رغم انه إبداع فقد يتحول إلى نمطية في الحياة ،كما هو أسلوب حياة كبار العلماء والمفكرين ،فهؤلاء يمارسون الإبداع كما يمارسون التدخين أو يتناولون وجبة غداء دسمة .
لن نصل إلى مرحلة نمطية الإبداع ما لم نمر عبر المراحل الستة السابقة له ،وهذه سنة الحياة ، فلو كان ذلك الوصول منطقيا لمنحه الله عز وجل لخير خلقه محمد (صلى الله عليه وسلم)، الإبداع لا يكون إلا نتيجة معاناة صادقة ، وحاجة ماسة إلى التغيير .
فالمعرفة والقيم والصبر والمغامرة من أساسيات الإبداع والتغيير . لا بد لمن يسعى إلى الإبداع أن يؤمن بها أولا .
واغلب المكتئبين والفاشلين وسكان المصحات في العالم كانوا يوما من أصحاب الطموح والحالمين بالتغيير ،ولكنهم لسوء الحظ ولمشيئة الأقدار ظلوا السبيل ، واطرقوا في الأحلام حتى صارت منزلا يسكنونه .
على المبدع إدراك الكيفية التي بها يحقق إبداعه وان يدرك أن الإبداع له ضريبة غالية ويجب دفعها ، واكرر "يخطئ من يطلب من المجتمعات تقبل الاختلاف والتغيير ،بسرعة وبدون نتائج ملموسة "

 القسم الثاني :ما علاقة العمر والزمن بالإبداع :
 


لا ادري أي سبب يدعوني إلى طرح هذا التساؤل ، ولكن اذكر في ما اذكر أن أحد ابزر هواجسي في عمري الخالي كان هاجسا زمنيا ، اذكر كيف كان عمر الرابعة والعشرين حساسا بالنسبة الي. إذ قرأت يوما وأنا في الثامنة عشرة ان اغلب من صاروا  ذا شأن يذكر  كان لهم قبل الرابعة والعشرين شأن يذكر ، وكانت هذه العبارة حساسة وانعطافية في حياتي.
في ذلك الحين آمنت بقدرة العقل البشري على فعل المستحيل ..... آمنت بأن عباقرة البشر ليسوا اكثر الناس تعقيدا بل على العكس هم اكثر البشر بساطة وفطرية ، لأنه ما من شيء ذا شأن تم التوصل أليه منذ آدم والى هذه الساعة إلا كان نتاج تتابع عقلي غاية في المنطقية والبساطة ، وعلى العكس فانك لا تكاد تجد نظرية تشوبها التعقيدات وعدم الوضوح إلا انهارت ولو بعد حين. انك لتجد في سيّر العلماء العجب ،فأحدهم يثق بحدسه ومنطقه اكثر من إيمانه بكل ما قد كتب ولو كان مقررا جامعيا واليك هذه الحادثة
تقول القصة انه في امتحان الفيزياء في جامعة كوبنهاجن جاء أحد أسئلة الامتحان كالتالي: كيف تقيس ارتفاع ناطحة سحاب باستخدام الباروميتر ؟( الإجابة الصحيحة : بقياس الفرق بين الضغط الجوي على سطح الأرض وعلى سطح ناطحة السحاب )
إحدى الإجابات استفزت أستاذ الفيزياء وجعلته يقرر رسوب صاحب الإجابة دون قراءة باقي إجاباته على الأسئلة الأخرى . الإجابة المستفزة هي :
اربط الباروميتر بحبل طويل و أدلي الخيط من أعلى ناطحة السحاب حتى يمس الباروميتر الأرض  ، ثم قس طول الخيط . غضب أستاذ المادة لان الطالب قاس له ارتفاع ناطحة السحاب بأسلوب بدائي ليس له علاقة بالباروميتر أو الفيزياء !
تظلم الطالب مؤكدا أن إجاباته صحيحة 100% وحسب قوانين الجامعة عين خبير للبت في القضية . أفاد تقرير الحكم بان إجابة الطالب صحيحة لكنها لا تدل على معرفته بمادة الفيزياء ،وتقرر إعطاء الطالب فرصة أخري لإثبات معرفته العلمية . ثم طرح عليه الحكم نفس السؤال شفهيا . فكر الطالب قليلا وقال :
"لدي إجابات كثيرة لقياس ارتفاع الناطحة ولا ادري أيها اختار " فقال الحكم :" هات كل ما عندك " . فأجاب الطالب :
1-   يمكن إلقاء الباروميتر من أعلى ناطحة السحاب على الأرض ، ويقاس الزمن الذي استغرقه الباروميتر حتى يصل إلى الأرض ، وبالتالي يمكن حساب ارتفاع الناطحة باستخدام قانون الجاذبية الأرضية .
2-   إذا كانت الشمس مشرقة ، يمكن قياس طول ظل الباروميتر وطول ظل ناطحة السحاب ، فنعرف ارتفاع الناطحة من قانون التناسب بين الطولين وبين الظلين.
3-   إذا أردنا حلا سريعا يريح عقولنا ، فان افضل طريقة لقياس ارتفاع الناطحة باستخدام الباروميتر هي أن نقول لحارس الناطحة : " سأعطيك هذا الباروميتر الجديد هدية إذا قلت لي كم يبلغ ارتفاع الناطحة ".
4-   أما إذا أردنا تعقيد الأمور فسنحسب ارتفاع الناطحة بواسطة الفرق بين الضغط الجوي على سطح الأرض أعلى ناطحة السحاب باستخدام الباروميتر .
كان الحكم ينتظر الإجابة الرابعة التي تدل على فهم الطالب لمادة الفيزياء .بينما كان الطالب يعتقد أن الإجابة الرابعة هي أسوأ الإجابات لأنها أصعبها وأكثرها تعقيدا . بقي أن نقول أن اسم هذا الطالب هو (نيلز بور ) وهو لم ينجح فقط في مادة الفيزياء .بل انه الدنمركي الوحيد الذي حاز على جائزة نوبل في الفيزياء .

هل سألت نفسك يا صديقي : لماذا يجيب شخص مثل بور على سؤال عن قياس ارتفاع مبنى بهذه الطريقة ؟
لماذا يتحمل عبء  الوقوف أمام لجنة من المحكمين ، ويناقش ويثبت  ويعلل ؟
ألانه يعتبر نفسه صاحب رسالة ، أم أنه وصل إلى درجة من الثقة يستطيع بها قول ما يريد وقت ما يريد ، أم أن سعة افقه العبقري لا تحتمل السكوت عن التصريح بالحقائق الا كما هي .
يبدو أن هنالك في العالم طفرات لا يمكن الحكم عليها ، فبعض الناس من أمثال بور ، يولد ويربو ويعيش من دون سابق إصرار بتفكير المبدعين ، أعنى انه ومنذ اللحظة الأولى موجود في مرحلة الإبداع كنمطية ، في هذه الحالة أنت تتعامل مع نبي ولكن بدون وحي .
وبعض الناس يمتلك قدرات عجيبة ، فأينما وضعته وجدت في موضعه لمسة التغيير والإبداع ، قد نستغرب هذا ، ولكن إذا سألته ، أجابك بكل هدوء وكأنه ما كان بإمكانه إلا أن يعمل ذلك .
ويح بور ما ابسطه .....
قد يقول أحدهم هذا غباء العبقرية ....ولكني أقول بل هذه عبقرية العبقرية بكل ما في الكلمة من معنى ، العبقرية هي أن تتبع حدسك حتى النهاية وان تقول ما تؤمن به كما تؤمن بما تتقول.
قد يقول آخر انه الغرور ، ذلك الذي يدفعه إلى هذه الإجابة والى احتقار مدرس الفيزياء ....وأقول كما قلت يوم سألتني لانا مامكغ في برنامج يوم جديد :" أن هنالك حلقة مفقودة في التدريس الجامعي ، بين الطلبة والأساتذة " فالتعليم عند الأساتذة يسير وفق خطة مرسومة وتتابع منطقي يؤدي إلى توصيل المعلومة على احسن وجه ، وهذا بحد ذاته هدف منطقي ، لكن في حالة العباقرة يكون هذا التتابع نوعا من الجمود الذي خلقهم الله ليحاربوه ، فالعبقري يأبى الجمود ويعتبره قتلا للعقل البشري وطاقاته البناءة ، العباقرة لا يؤمنون بمبدأ" تعلم ثم إبداع واكتشف" ، بل إن مبدأهم يقول "تعلم وإبداع واكتشف " ...وقد يكون هذا وراء كل الصدام الذي يجري بين الأساتذة وتلاميذهم النجباء .
والعبقرية عموما نتاج وحدة وابتعاد عن الناس ، لان الاختلاط من نتائجه التقمص ، والاختلاط بالعامة نتيجته تقمص طباعهم وقلة شأنهم في طلب المعرفة والركون إلى اللذات .
العبقرية أمل . أتذكر ما قرأناه عن السيدة ماري كوري ، أتذكر كيف أنها مرضت أصيبت بسوء التغذية وفقر الدم  ( وليت كل فقراء الدم من العباقرة) ، أتذكر كيف تفوقت وتميزت دون باقي زملائها ...لماذا تفوقت ؟ لماذا أصيبت بفقر الدم ؟ لماذا ترافق التفوق مع فقر الدم في حالة هذه السيدة العظيمة التي قلت فيها يوما " اذا كنت اعشق من نساء الأرض الحاضرات أمي ، فإني اعشق من نساء الأرض الغائبات ماري كوري " . أعود إلى التساؤل ما كان دافع هذه الفتاة ....وما الذي حرمها طعم النوم والطعام ، وأذاقها برد باريس القارص ،أفكر مليا ،،،،،،،،، ولا أجد جوابا يشفي غليلي الا الأمل .
الأمل هو ما يجعل هؤلاء ينامون بعد الجميع ويستيقظون قبل الجميع ، الأمل هو ما يسرقهم من الأهل والأصدقاء ، الأمل هو سعادة هؤلاء التي تجعلهم يقولون ما يريدون وقت ما يريدون ، الأمل هو ما يجعلهم يضحكون كالأطفال عندما يغمرهم الفرح الآتي من السماء.
بعد هذا الاستطراد نعود إلى صلب الموضوع ، ما علاقة العمر بالإبداع ، وهل كانت نظريتي صحيحة    " بأن من يبدع قبل الرابعة والعشرين يبدع بعد الرابعة والعشرين " ! . أتسأل أيضا عن الجاحظ وعن ذلك الشاعر المسرحي الذي قرأنا مسرحياته في المدرسة والذي تفجرت طاقاته بعد الأربعين . ويبرز إلى الوجود سؤال آخر ، هل من نضرب بهم الأمثال في العبقرية والمعرفة هم فعلا اكثر البشر عبقرية ، أم انهم اكثر هؤلاء شهرة ، وهل تخون العبقرية أحيانا فتجعل صاحبها محسوبا على الغوغاء والعامة من الناس ؟
السؤال قد يصاغ بصورة أخرى : هل العبقرية ظاهرة اجتماعية أم أنها في الأساس تجربة شخصية،وهل يجب ان يكون للفرد تأثير اجتماعي بارز حتى يعتبر عبقري . أم ان الإنجازات هي التي تتحدث عن نفسها ؟
مثلا ، هنالك الفلكي المشهور يقال انه كان بغال من ثم افتتح مرصد في قريته فبرز فيه وابدع  ، والسؤال : هل كان ليبقى بغالا ( سائس البغال ) لولا صدفة إنشاء مرصد في قريته ، فاروق الباز ( رجل القمر والمريخ) هل كان ليبقى محاضرا جامعيا خامل العقل والذكر لولا ابتسامة القدر التي جعلته ابن ناسا المدلل ، وهل اذا غابت الفرصة ، غابت معها ملامح العبقرية ، اقصد، اذا كان س عبقريا  ( بمعنى يملك بذرة العبقرية) ولم تأته فرصة لإبراز عبقريته ...هل يبقى (بغالا )؟.
هل هنالك شروط لا بد من توفرها حتى تتفجر للعبقرية، أريد ان أقول ....هل كانت بذرة العبقرية موجودة لدى الجاحظ مذ عاش ، وهل للعبقرية تردد frequency  لا تتفجر إلا عند عتبته .  تذكر معي نظرية اينشتاين في التأثير الكهروضوئي ( التي تنص على ان هنالك عتبة لتردد الضوء المسلط لا تطلق الفلزات إلكتروناتها إلا بعد تجاوزه ، وتنص أيضا على ان أي ضوء يزيد تردده عن تردد العتبة الحرجة قادر على انتزاع الإلكترونات من سطح هذا الفلز موضع الاختبار ) ....دعنا نستبدل كلمة تردد بكلمة حافز وكلمة فلز بكلمة عبقرية وكلمة إلكترون بكلمة إبداع

ان هنالك عتبة للحافز لا تطلق العبقريات إبداعاتها الا بعد تجاوز هذا الحافز ، على ان أي ابداع يزيد حافزه عن حافز العتبة الحرجة قادر على انتزاع الإبداعات من سطح هذه العبقرية موضع الاختبار.وكلما زادت العبقرية زادت عتبة الحافز القادر على انتزاع الإبداع من هذه العبقرية اطرادا سلبا أو إيجابا.

أي أن العبقرية بحاجة إلي عناية وتفهم، والى أن تتعرض إلي اكبر كم من الخبرات والمواقف والمعلومات، اذا أردنا لهذه العبقرية أن تؤتي ثمارا ناضجة وكثيرة.من جانب آخر نستطيع بناءا على هذه النظرية تفسير تأخر بروز عبقرية البعض إلى الوجود ردحا من الزمن ، فالجاحظ نظرا لإفراطه في العبقرية كان الحافز ( المنشط) لعبقريته صعب المنال ، ولكن في تلك السن المتقدمة تصادف  ان تعرض الجاحظ لمثل هذا الحافز الذي أيقض عبقريته و دفعها دفعا إلى تقديم ما قد قدمه للبشرية جمعاء .
نستخلص أيضا ان هنالك مدى من المعارف والنشاطات البشرية يمكنها تحفيز العبقرية وانتزاع الإبداع منها  انتزاعا، مثلا، ما كان كوخ الرسام ليكون رياضيا قديرا كجاوس ولو ارضع الرياضيات مع الحليب، ومحمد عبد الوهاب (عبقرية الموسيقى العربية) ما كان ليبدع في مجال الميكانيكا، ولو تتلمذ على يدي نيوتن.
 فلنفرض، على سبيل المثال، أن هابل كان يندرج ضمن الفئة ذات العتبة المنخفضة للحافز، وان مدى مجالاته الإبداعية أوسع من المتوسط، لا يستبعد ان يكون هابل مبدعا في سياسة البغال( ربما كان افضل سائس بغال في منطقته ) ، ولكن لان الرصد الفلكي من المجالات التي تكفل حافزا فكريا أقوى وضمن مدى مجالات هابل الإبداعية ، فقد أبدع فيه أيضا بقدر اكبر من إبداعه في سياسة البغال . إذن ماذا لو يتم إنشاء المرصد في قرية هابل ؟ الجواب : سيبقى افضل سائس بغال في المنطقة وربما في العالم . الفرق بالنسبة لنا في موضوع هابل بين السياسة والفلك ،هو ان الفلك جعلنا نعرف هابل ، بينما كانت السياسة كفيلة بإبقاء هابل ضمن فئة الغوغاء والعامة ( على الأقل لمن يسكنون خارج حدود قريته الصغيرة).


يعرض الشكل التالي، تدرج عتبة الحافز المنبه للعبقرية، ومدى المجالات الإبداعية لمختلف العتبات.( لا يأخذ التفاصيل الدقيقة للميول الشخصية في الاعتبار)


1ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ2×3ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ4
× : هي نقطة العتبة او الحاجز
1-4 : ( منحنى المجالات الابداعية )
1-2 : مجالات ذات حافز ابداع دون العتبة
3-4 :مجالات ذات عتبة حافز مناسبة
 أناس عتبة الحافز عندهم منخفضة ، ولذلك يبدعون في كثير من المجالات

1ــــــــــــــــــــــ2×3ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ4

اناس عتبة الحافز عندهم متوسطة ، لذلك يبدعون في عدد محدد من المجالات  

1ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ2×3ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ4

أناس عتبة الحافز عندهم مرتفعة ، ولذلك يبدعون في مدى ضيق من المجالات .

1ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ2×3ــــــــــــــــــــــــــــ4

بالنسبة للجاحظ ، اغلب الضن انه من النوع الثالث ، ذوي العتبة المرتفعة للحافز، وربما ان معاناته الشديدة  من ذلك الشعور المقرف ( بأني لست في مكاني المناسب ، ولا أؤدي الرسالة المنوطة بي ، ولا اعبر عن ما اضن انه بحوزتي من عبقرية ،  و شعوره العميق بالتميز الغير معبر عنه ) ، أقول ان معاناته الشديدة ربما سببت له اضطرابا في الغدة الدرقية مع ما يرافقها من جحوظ للعين وزيادة في الأيض والتوتر والعصبية ، وكل ذلك يعود إلى زيادة في ارتفاع عتبة الحافز لدى هذا العبقري ، أخيرا وبعد معاناة طويلة تعرض هذا المسكين إلى حافز فاق عتبته الحرجة ....فبداء يشد الخطى بإبداعه مستدركا ما قد مضى (الا ليت الشباب يعود يوما .......) فخلف لنا البخلاء والأذكياء والحيوان وغيرها من النفائس الفريدة في مكتبتنا العربية .
أعود ألان إلى أول سؤال طرحته : هل الرابعة والعشرين سن حرجة للإبداع ؟
الجواب : حسب هذه النظرية، لا يلعب السن دورا بارزا في الإبداع ، الا من حيث قدرة الأيام والليالي وتعاقبهما على إبعاد الإنسان اكثر فاكثر عن مسلكه الحقيقي بالتالي زيادة عتبة الحافز اللازم لتفجر إبداعه وإفراز عبقريته ، فالأيام اصغر من ان تقتل بذور العـبقرية فهي اكبر من كل الأيام والليالي ، ولكن ركام الحياة وضغوطها وبلادتها ورو تينها القاتل قد يضعف عزيمة الفرد للإبداع.



القسم الثالث: "رحم الله امرئً عرف قدر نفسه"

العبادة كمفهوم تشمل كما يعبر عنها شيخنا الشيخ الشعراوي ( رحمه الله ) بأنها الالتزام بالمنهج بإفعل ولا تفعل ، كذلك تشمل مفهوم العمارة لهذا الكون بالحركة والفعل .
إن الإنسان كعبد لله ،أمره الله بعمارة الكون وضمن له في حالة التزامه بالقيام بهذه المهمة وفق قدراته الذاتية ورؤاه الشمولية ، أقول ضمن له البركة والنجاح .
يقول رسول البشرية محمد صلى الله عليه وسلم(رحم الله امرئ عرف قدر نفسه).واعتدنا نحن العرب استخدام هذا الحديث الشريف للردع، و للتدليل على قلة مقاديرنا أو من نخاطبهم، مقارنة بشيء آخر. وهذا هو الموضع الذي يستخدم فيه هذا الحديث الشريف على الأغلب أن لم يكن الوحيد. لكن الرسول المبين ضمن حديثه الكريم شفاء لكل الناس وكان الحديث الشريف دوما ينبوعا لكل ما هو جديد و مفيد.
نحاول هنا إعادة التفكر في مغزى هذا الحديث الشريف. رحم الله امرئ ، بمعنى شمله الله برحمته وبخيره الوفير . عرف ،  من المعرفة ،بمعنى اطلع على العموم ،أي كون نظرة شمولية ، خلافا عن الإدراك ، الذي يعني الإلمام بالتفاصيل . قَدر ، من قدّر أو قَدَرَ ، أي على وجه التقريب ، وهذا من الإعجاز اللغوي ، في دقة اختيار الألفاظ ، فلو قال رحم الله امرئ أدرك قدر نفسه ، لتنافى مفهوم الإدراك المقترن بالتفاصيل مع مفهوم التقدير المقترن بالشمولية . نفسه ، بمفهومنا البشري نفسي تعني إبعادي ( جسدية) وقدراتي (عقلية ) وآمالي ( روحية ) .
نستخدم هذا الحديث للردع، للتقليل من فرص تحقيق الأحلام، للاستصغار، في حين أن هذا الحديث نبع فياض للتشجيع واستنهاض الهمم، إن الله يبارك  من الناس أولئك القادرين على النظر الى ذاتهم نظرة موضوعية شمولية .لان هذه النظرة الشمولية افضل عون في تقدير المهام التي تتناسب مع قدرات كل واحد منا وفي إضفاء مسحة من البركة على كل ما نقوم به تماشيا مع هذه القاعدة الذهبية . الإسلام لا يقول اجلس ،حتى تمطر السماء ذهبا، بل يقول ادرس نفسك وكون نظرة شمولية عن مدى قدراتك و ميولك و مارس ما يحقق هذه القدرات والميول ......اذا فعلت ذلك فإن الله تعالى سوف يبارك في كل ما تصنع ويشمله برحمته الواسعة .
حديث آخر للرسول الكريم  " اعقلها وتوكل " ، يبدو أن كلمة اعقل في هذا الحديث الكريم تحتمل وجهين،الأول : العقال ، أي عقال الناقة ( ربطها ) ويستفاد منه حسن تنفيذ الأعمال .و الثاني: اعقل بمعنى استخدم عقلك لتقدير مدى الحاجة إلي عقل الناقة، هل اذا تركتها ستهرب؟ أم أن المكان وطبيعة ناقتك لا يؤهلانها للهروب . ويستفاد منه ما ذكرنا سابقا أي استخدام العقل في تقدير الأمور.

القدوة المشوهة:

يندر أن يمر صباح دون أن نسمع مذيعا أو مذيعة، أو أن نقرأ في كتاب أو جريدة، خبرا طريفا من قبيل " طرد ادسون من المدرسة في سن مبكرة" ....."كان اينشتاين يتلعثم حتى سن التاسعة"...."كان العالم الفلاني كسولا، وحاز على الشهادة بشق الأنفس"...."لم يكن ليوناردوا دافنشي ينام، بل كان يقول أن النوم مضيعة للوقت"....."كان فلان غبي"..."والآخر فاشل"....."والأخير منحرف"....
قد أو قد لا تكون هذه المعلومات صحيحة، ولنفرض أنها صحيحة. لماذا نقتبس من حياة العظماء أسوأ ما في سيرهم!!! وابرز نقاط ضعفهم!!! إلا يوجد في حياة هؤلاء ما يدعوا للأمل وزرع روح التفاؤل في نفوس نشئنا اكثر من هذه المواقف والأحداث السخيفة؟؟. ما يكون موقف ناشئ حديث العهد بالحياة والمعرفة، عندما يُصوّرُ له نخبة الناس وصانعوا مجد البشرية على انهم أغبياء أو فاشلين (حتى وان كان هذا صحيحا). أليس حريٌّ بنا إبراز تلك الجوانب المشرقة في حياة هؤلاء؟ على الأقل أملا في استنهاض همة شاب مقبل على الحياة ليحذوا حذوهم. ما فائدة تبرير فشلنا في الحياة بتصيّد فلتات العظماء!! وإذا كنا نحن الكبار فشلنا في التقدم ونسعى إلي التبرير، لا لشيء إلا تهدئة لشعورنا العميق بالنقص. فما ذنب النشء!؟ أليس حريا بنا تقديم نماذج تحتذى لأجيالنا الجديدة، تفاديا لوقوعهم في نفس الشَرَك الذي اصطادنا!!!
ثم من قال أن دافنشي لم يكن ينام؟؟!! حتى وان لم يكن ينام، هل كان محقا في ذلك؟. النوم ضرورة لكل جسد. وبدونه تصاب الأوصال بالإنهاك، ويعتري العقل الإعياء، فلا يكون قادرا على استخدام كامل قدراته البناءة؟ من قال أن دافنشي لم يكن ينام؟ دافنشي رسام ونحات ومفكر إيطالي معروف للقاصي والداني، لكنه رغم إفراطه في العبقرية، خلف لنا أشلاءً لأفكار عظيمة، كانت لو تحقق لها شيء من التعمق أن تضيف إلي البشرية في ذلك الحين كثيرا من المعرفة التي لا غنى لها عنها. لكن دافنشي فضل مواصلة التفكير بإعياء(على فرض انه لم يكن ينام)، مستجمعا اقل القليل من تركيزه وقدرته البناءة، فبقيت أفكاره أشلاء هنا وهناك، لا تقوى على التحرك إلا إذا درست بمزيد من العمق والتدبر. لو أن دافنشي أسعف نفسه بمزيد من النوم، لأسعفنا بخطوات عدة، خطوات ناضجة وكاملة نحو تقدم البشرية وسعيها نحو حياة افضل. لم يخطئ من وصف دافنشي بأنه "عبقري سابق لعصره"، ولكن أليس من الأفضل نعته ب"عبقري سابق عصره".    

أنا صاحب موهبة، إذن أنا صاحب رسالة:


أن على الإنسان أن يتقبل ذاته بكل ما فيها من عيوب وميزات، عليه الاعتراف بالخطاء وتعزيز الصواب، عليه أن يعامل نفسه بما تستحق أن تعامل به، بعض الناس يشعرون دائما بأن فيهم شيئا مميزا، وبعض الناس لديهم ميزة تجعلهم بفضل الله أصحاب فكرة، لكن نوعا من التواضع وربما الخجل يدعوهم إلي عدم إظهار هذه الميزة أو التصريح بها، ما أحوج هؤلاء إلي أدراك سيرورة الإبداع، مثلا ، ماذا يسمى من يملكون موهبة الرسم؟ بالطبع هم الفنانون، إذن بما أن لدي موهبة الرسم، فعلي قبل تعلم أصول الفن السريالي (مثلا)، على أن أتعلم كيف يجدر بالفنان أن بعيش، ويفكر، ويخدم مجتمعه بفنه، علي قبل أن أتعلم الوسيلة( وهي هنا الفن) أن احدد الغاية ( ما هي رسالتي كفنان؟). ماذا يسمى أصحاب الأفكار الخلاقة، بالطبع يسمون المبدعون أو العباقرة، إذن بما أن لدي هذه الميزة فأنا عبقري، وليس المغزى هو أن يكون الإنسان عبقريا، إنما المغزى كيف يجب أن أتصرف كعبقري، وما هي الشروط اللازمة لتتبلور هذه العبقرية إلي شكل مفيد لي وللناس. إذا كنت صاحب صوت رخيم وجميل ، فالأحرى بك قبل و أثناء تعلمك مقامات الغناء العربي، حريّ بك وضع خطوط عامة ونبيلة لرسالة الغناء أو الطرب أو الموشح الذي أود أن أؤديه، وان ابني لنفسي منهجا خاصا، ليس كمناهج المحدثين، الذين يمارسون أي شيء إلا الغناء وخلفهم جوقة من النشاز.
لكل منا قدرات ، وهي فريدة ، فالبشر مثل البصمات لكل طابع خاص قد لا يتكرر الى يوم القيامة ، وعماد نجاح كل منا هو قدراته الشخصية بعد التوكل على الله وقبل كل شيء . وكل من لا يثق بقدراته الشخصية أو يرى ان قدراته اكبر من ان يحققها ( كما كان حالي وكما هو الحال الأمة بصورة عامة ) ، أقول على هؤلاء التوجه الى الله بتجرد والطلب منه العون والمساعدة ، والبحث في ثنايا نفوسهم عن بارقة أمل تعينهم في وسط الطريق.
لكل منا قدرات قادرة على ان تتحقق ، ولكل منا عقل اذا احسن استغلاله كان ينبوعا لا ينضب للأفكار والعطاء المتجدد أبدا . لكن عندما يدخل الشيطان وبقايا اللاشعور في اللعبة يبدأ التساؤل عن المستقبل ، وتبدأ الأزمات في الظهور وتتداعى الذكريات ويعترينا التوتر والقلق ، يبدو ان التساؤل عن المستقبل هو اكبر عدو للمستقبل .
ولكل  إنسان ميزة عن بقية الناس ، فلو نظر كل منا إلي نفسه على انه صاحب ميزة وعامل نفسه بما يجدر أن يعامل به صاحب الميزة الفلانية، أقول لو تم هذا فإن الشرق وبالذات امتنا الإسلامية، ستصحو من غفوة طالت قرونا، ولوجد كل منا في مزاياه ما يستحق السعي لإنعاشه وصقله وإفادة المجتمع منه. بهذا المنظور وصل الغرب ( وليته الغرب العربي) أقول وصلوا إلي ما وصلوا إليه.

 
القسم الرابع :مطالعات :

من الكتب القيمة والجديرة بالقراءة ، كتابان قد يختلفان في العنوان لكنهما يتفقان في المضمون ، الأول بعنوان :  بنية المادة بين الوجود و العدم ( تحليلات فيزيائية في المكونات الدقيقة للمادة ) والآخر بعنوان : قصة العلم .

يتحدث الكتاب الأول بإسهاب عن التطور الذي وصل أليه علم الجسيمات ما دون الذرية ، وعن دور قوانين الحفظ conservation laws   في قيام هذا العلم ، كذلك يطرح المؤلف بنفس العلماء الباحثين كثيرا من الاستفسارات التي لا زالت ألغازا تحير العلماء الى هذه الساعة ، وفي الكتاب تسلسل غاية في البساطة والتشويق والفائدة .

أما الكتاب الثاني فيقول ببساطة : ان الإبداع يكون نتيجة ظرف أو حاجة أو موقف أو طلب من جهة معينة . ورغم عدم اتفاق بعض وجهات النظر مع المؤلف عموما في تفسيره لظاهرة الإبداع بأنها عملية تستلزم الأجر المدفوع.  إلا أن الأغلب يتفقون مع المؤلف في ان الإبداع ميزة في بعض الناس ، ولا بد من تحفز هذه الميزة حتى تؤتي آثارها ، إما ان نترك لأنفسنا العنان بعيدا عن أوساط الإبداع فلن يجدي ذلك لنا نفعا ، ولن تدرك الحقيقة إلا بعد فوات الأوان وبعد ضياع عمرنا الباقي . (عَنْ مَالِك أَنَّهم بَلَغَهم أَنَّ لقمان الْحَكِيمَ أَوْصَى ابْنَهُ فَقَالَ يَا بُنَيَّ جَالِسِ الْعُلَمَاءَ وَزَاحِمْهُمْ بِرُكْبَتَيْكَ فَإِنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْقُلُوبَ بِنُورِ الْحِكْمَةِ كَمَا يُحْيِي اللَّهُ الْأَرْضَ الْمَيْتَةَ بِوَابِلِ السَّمَاءِ *).
 

من ناحية أخرى يقول الكتاب : بان إبداعات مجتمع ما تنم عن احتياجات هذا المجتمع ، بل ان أي إبداع لا يخدم مجتمعه لا يعتبر إبداعا ...بحسب كثير من الأعراف العلمية السائدة.(إحصائيا يلاحظ زيادة نسبة الطفرات العقلية والمبدعين في المجتمعات المتفتحة عقليا دون تلك المتزمتة. ونظرا لتحول بريطانيا إلي البروتستنتية في مطلع القرن السادس عشر فقد هرب إليها عدد كبير من العلماء والمفكرين وبدأت بريطانيا عصر النهضة الأوربية والعصر الصناعي قبل باقي أوروبا التي كانت ترزح تحت وطأت تعاليم الكنيسة التي تمنع أي فكرة جديدة تخالف ما تبناه كبار قسيسيها).  

إذا تخطى الإنسان كل العقبات ،كيف يكون الإبداع في حياته ؟ هل هنالك أسس يتم عليها الإبداع ؟ هل هنالك نقاط مشتركة في كل النظريات العلمية ؟ وكيف يفسر وصول شخصين في مكانين مختلفين الى نفس النتائج دون علم الواحد منهم بالآخر ؟ لماذا يكون بمقدور بعض الأشخاص حل اعقد المسائل دون بعض الناس الآخر؟ هل هي العبقرية ؟ وإذا كانت هي العبقرية ، فهل العبقرية أسس ومبادئ عامة في التفكير أم أنها خبط عشواء ، لا يلوي صاحبها على شيء ؟ (العبقرية هي أسس تفكير ومبادئ عامة يتم اللجوء إليها في كل مرة يظهر فيها  موقف أو حادثة تستدعي مثل هذا الظهور ).
نسوق في ما يلي تسلسلا فكريا ذكره الدكتور محمد الخطيب كتقديم لإيصال مفهوم الحفظ conservation  في مقدمة الكتاب الأول،
يقول الدكتور الخطيب في صفحة 5 فقرة 2 '<img'> لقد توخيت في هذا الكتاب عرض الموضوع دون الاستعانة بالمعادلات الرياضية ما أمكن وذلك لغرضين : أولهما طرح البحث بطريقة النقاش المنطقي السليم وهو منطلق لكل الأبحاث العلمية الناجحة : والآخر تبيان ان التعمق في اكثر العلوم تعقيدا يستوجب ملكة في التحليل المنطقي قبل الحاجة الى ملكات معينة في الحساب وحفظ المعادلات والعلاقات المختلفة وقبل بذل الأموال في تجهيز المختبرات .
ويقول في صفحة 7 فقرة 3 : وما قعد بالشرق اليوم عن الدخول في هذه المجالات (يعني علوم الفيزياء النظرية والذرية ) إلا اعتقادهم بأن الخوض في هذا مرتبط بالحسابات المعقدة والتجارب الباهظة التكاليف ، وسيجد القارئ ان هنالك أسئلة لا تزال معلقة يخوض فيها المفكرون كل يدلي بدلوه دون الحاجة الى اكثر من الورقة والقلم .
ويقول في صفحة 8 : و كل ما يحيط بنا من شيء مهما كان عليه من التعقيد في البنية و التركيب نستطيع في النهاية رده الى عناصر بسيطة أولية . ...حتى لغات البشر ...وكذلك الألحان
يقول في صفحة 14 : العالم يراقب حادثة معينة بصورة دقيقة ، حتى اذا تحقق من ان هذه الحادثة تتكرر تحت نفس الشروط دون تغيير ، وانه في حالة توفر كافة الشروط التي عينها لابد للحادثة ان تتكرر كما سبق ان له وراقبها ، في هذه الحال يصل العالم الباحث الى وضع صيغة لهذه القاعدة التي درسها . وترتفع قيمة هذه القاعدة وفائدتها كلما كانت هذه القاعدة اكثر شمولا وعموما وكلما قلت الحالات الشواذ التي لا تنطبق عليها القاعدة .
مثلا: كل حجر اخضر اللون اذا قذف الى الأعلى سقط الى الأرض . هذه القاعدة صحيحة ولكنها ليست عامة بالشكل الكافي ، فالحجارة الزرقاء والحمراء لم تشملها القاعدة مع ان التجربة تثبت ان هذه الحجارة تسلك نفس السلوك  .فالأفضل ان تكون صيغة القاعدة : كل حجر يقذف الى الأعلى يسقط الى  الأرض .ولو وسع المراقب التجربة لتشمل أجساما أخرى غير الحجارة لعلم ان هذه القاعدة تنطبق على أشياء أخرى كثيرة . لذلك يجب تعميم القاعدة على الشكل التالي : كل جسم يقذف الى الأعلى يسقط الى الأرض.
....وكل حقيقة تبقى سارية المفعول ما لم تثبت التجربة ما ينافيها أو يحد من عموميتها.
فمن المراقبة نعلم ان الطائرة أو الطائر يبقيان مدة طويلة نسبيا قبل العودة الى الأرض إلا انهما يعودان ، الأول في مدة أقصاها عندما يموت والآخر عندما ينتهي ما معها من وقود ، فهل يا ترى نعمم القاعدة على الشكل التالي : كل جسم يقذف الى أعلى يسقط الى الأرض ولا يشترط السقوط فورا ؟ . وما هو حكم الغيمة أو المنطاد المملوء بالهليوم أو ذرة الغبار الأخف من الهواء ، هذه الأجسام ليست مجبرة على العودة الى الأرض ، فهل يا ترى نغير القاعدة الى الصيغة التالية : كل جسم يقذف الى الأعلى يسقط الى الأرض ولا يشترط السقوط فورا، ولا تصح القاعدة على الأجسام الأخف من الهواء ؟ وما هو حال الصاروخ الذي يطلق بسرعة ابتدائية 11.2 كم/ث من سطح الأرض ، هذا الصاروخ لا يعود إطلاقا الى الأرض . فهل نغير القاعدة الى الشكل التالي : كل جسم يقذف الى الأعلى يسقط الى الأرض ولا يشترط السقوط فورا وهذا مقصور على الأجسام الأثقل من الهواء وعلى إلا تزيد سرعة القذف عن 11.2 كم/ث .؟
يبدو مما سبق ان وضع قاعدة عامة ليس من السهولة ، والعلماء الذين توصلوا لصياغة قواعد عامة اصبحوا من المشاهير . وعلى سيبل المثال نسوق هنا القاعدة العامة التي صاغها عام 1687 العام الإنجليزي اسحق نيوتن Isaac Newton عن العلاقة القائمة بين القوة والتسارع والتي تعرف بقانون نيوتن في الحركة : التسارع الذي يكتسبه جسم يتناسب طرديا مع القوة التي تؤثر عليه وعكسيا مع كتلة الجسم ، وتكون جهة التسارع نفس جهة القوة المؤثرة . وتعبر لغة الرياضيات عن هذا القانون بصورة مختصرة .
تع = ق /ك           )  انتهى كلام الدكتور الخطيب

جميل هذا الطرح، ويثير في المحب للتأمل أسئلة وحافزا للتفكير، وكم من الآفاق الجديدة ولّدها تساءل بنّاء من قبيل : ترى لماذا يسقط الحجر الى الأرض اذ
دخل الفارس المنتصر مدينته المفتوحة .... وكانت كل فتيات المدينة الجميلات يهتفن بإسمه ....  فنظر اليه احد الجنود وقال : ما لك لست فرحا يا سيدي؟  .
فأجاب الفارس المنتصر : كنت اود ان اسمع هذا الهتاف ، ولكن من عجائز بيشاور !!!
( بيشاور : المدينة التي ولد فيها الفارس)

أكتوبر 19, 2002, 02:22:05 صباحاً
رد #1

ابو الحروف

  • عضو خبير

  • *****

  • 1993
    مشاركة

    • مشاهدة الملف الشخصي
نحو نظرية في الابداع العلمي
« رد #1 في: أكتوبر 19, 2002, 02:22:05 صباحاً »
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اخي المعلم الثالث الكريم...

في البداية اود ان اقدم لك شكري العميق واحترامي على ما تكتبه من مواضيع تدل على عمق في التفكير وبصيرة نافذة...

موضوعك هذا يحتاج الى التمعن في قراءته, والتدبر في معانيه... فالابداع امر نسعى الى بثه في عقول وارواح طلابنا, وذلك امر ليس سهلا...

وان كنت اظن انه لا مجال للاضافة او المناقشة بعد كل ما كتبته  '<img'>


جزاك الله خيرا... وانار دربنا بنورك...

أكتوبر 21, 2002, 01:39:18 صباحاً
رد #2

المعلم الثالث

  • عضو متقدم

  • ****

  • 749
    مشاركة

    • مشاهدة الملف الشخصي
نحو نظرية في الابداع العلمي
« رد #2 في: أكتوبر 21, 2002, 01:39:18 صباحاً »
استاذي الفاضل ابو الحروف ...

شكرا لك على التعقيب ....

وشكرا على الدعم ....

اما بالنسبة للنقاش ... ففي الموضوع كثير من النقاط التي لا بد من نقدها .....

علما ... بان هذه النظرية ... نتاج سنوات من التفكير ...

بعدها انزجزت اشياء لم اتوقعها من نفسي ....
وكانت فاتحة لفهم جديد للحياة والابداع (  بالنسبة الي طبعا)

على الاقل بسبب هذه النظرية ..... عرفت ان مكاني بينكم ... '<img'>

شكرا لك '<img'>
دخل الفارس المنتصر مدينته المفتوحة .... وكانت كل فتيات المدينة الجميلات يهتفن بإسمه ....  فنظر اليه احد الجنود وقال : ما لك لست فرحا يا سيدي؟  .
فأجاب الفارس المنتصر : كنت اود ان اسمع هذا الهتاف ، ولكن من عجائز بيشاور !!!
( بيشاور : المدينة التي ولد فيها الفارس)

أكتوبر 30, 2002, 08:57:17 صباحاً
رد #3

الفيزيائية

  • عضو خبير

  • *****

  • 1214
    مشاركة

    • مشاهدة الملف الشخصي
نحو نظرية في الابداع العلمي
« رد #3 في: أكتوبر 30, 2002, 08:57:17 صباحاً »
أولا: أعتذر عن التأخير في الرد، وإن كان الموضوع قد قمت بقراءته بتمعن بمجرد أن نشر، ولكن الإختبارات التي دائما تطرق الأبواب تمنعني من المتابعة والرد '<img'>

ثانيا: أشكر المعلم الثالث على هذا الإسهاب الطويل والمفيد حقا، لقد قمت بطباعته وقراءته واقتبست بعض الأشياء المفيدة  والتي أثارت إعجابي بحق '<img'> ربما هناك أشياء أنا لا أتفق مع كاتب المقال عليها، ولكن المقالة تستحق القراءة، وإن كان عندك المزيد فياليتك تدعمنا بها.

كما أريد أن أسألك (سؤال فضولي قليلا ':p' ) هل هذا كله من نتاج تفكيرك الخاص أم أن بعضه مقتبس من الكتب!!! وإن كانت دفاترك العتيقة على هذا الشكل فياليتك تنشر هنا كل دفاترك العتيقة منها والجديدة '<img'>

لقد قمت بعمل استبيان في الجامعة لأبحث عن المبدعات، تبين لي أن هناك الكثير لا يعرفن هل هن مبدعات أم لا، بل البعض مؤمن بعدم ابداعه رغم تفوقه ونباهته. والغالبية العظمي لم تستطيع تحديد معنى الإبداع بدقة...
حقا الكلام  عن الإبداع يطول جدا.... أرجو أن تكون لي فرصة أخرى لأكمل تعليقي على هذا الموضوع....
يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم:
"يعجب ربنا من قنوط عباده وقرب خيره، ينظر إليكم أزلين قنطين، يظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب "

--------------

(.)
النهاية

أكتوبر 30, 2002, 09:35:44 مساءاً
رد #4

المعلم الثالث

  • عضو متقدم

  • ****

  • 749
    مشاركة

    • مشاهدة الملف الشخصي
نحو نظرية في الابداع العلمي
« رد #4 في: أكتوبر 30, 2002, 09:35:44 مساءاً »
اختي الكريمة :

ارجو من الله ان يوفقكِ في كل ا لامتحانات .. دنيا وآخرة

شكرا لكِ على الوقت الذي قضيتيه في قراءة هذا النص الطويل ، واتفق معكِ على ان بعض النقاط ربما لم يوضع لها دليل او استناد علمي ، ولكن كما قلت في البداية ، الموضوع هو وجهة نظر ، لم يقصد بها النشر او التأليف ، انما محاولة لفهم النفس والناس والابداع ولو من ناحية صغيرة .
وكما هو مبين في الموضوع كثير من النقاط قد اقتبست ، وتظهر علامة الاقتباس في مناطق الاقتباس .

من ناحية اخرى ، هل تتكرمين علينا بعرض بعض النقاط التي لا تتفقين فيها معي .. لكي احاول اعادة التفكير فيها ، او ابانتها اذا كان هناك داع الى ذلك

مع شكري لكِ

وبالتوفيق دائما

اخوكِ المعلم
دخل الفارس المنتصر مدينته المفتوحة .... وكانت كل فتيات المدينة الجميلات يهتفن بإسمه ....  فنظر اليه احد الجنود وقال : ما لك لست فرحا يا سيدي؟  .
فأجاب الفارس المنتصر : كنت اود ان اسمع هذا الهتاف ، ولكن من عجائز بيشاور !!!
( بيشاور : المدينة التي ولد فيها الفارس)

أكتوبر 31, 2002, 03:48:03 صباحاً
رد #5

الخالد

  • عضو خبير

  • *****

  • 2286
    مشاركة

  • مشرف الرياضيات

    • مشاهدة الملف الشخصي
    • http://
نحو نظرية في الابداع العلمي
« رد #5 في: أكتوبر 31, 2002, 03:48:03 صباحاً »
الأخ الأستاذ/ المعلم الثالث
لا يسعني في البداية إلا أن أشكرك على هذا العرض الطيب وعلى هذه الرؤية الخلاقة.
لقد قرأت أنا بدوري كل ما كتبه بتمعن ، وأجده بما احتوى عرضاً رائعاً.
أخي الكريم ...
في رأيي أن كل مخلوق حي له القدرة على الإبداع .
فالإنسان مثلاً تعلم من النمل والنحل .
وقابيل تعلم ( بأمر الله ) من الغراب كيف يدفن أخيه الذي قتله.
بل حتى من نصنفهم متخلفين عقلياً يمكن أن يكونوا مبدعين.
لذلك أجد في نفسي سؤال أود طرحه :
لماذا لا نرى كل إنسان مبدعاً.
هل لانعدام الحافز والدافع المعنوي؟
ولكني أرى أن المعاناة بحد ذاتها حافز للإبداع ( مثل معاناة فاروق الباز )
ومعظم الناس يعانون .
لقد ذكرت أمثلة لعباقرة مبدعين .
وأنا أرى أن الإبداع صفة يمكن أن يتحلى بها الجميع ، عباقرة أوغير عباقرة.


تقبل احترامي

أخوك / خالد


كفى بك داء أن تـرى الموتَ شـافيـاً                و حسبُ المنـايا أن يكنّ أمانيـــا

أكتوبر 31, 2002, 07:48:58 مساءاً
رد #6

المعلم الثالث

  • عضو متقدم

  • ****

  • 749
    مشاركة

    • مشاهدة الملف الشخصي
نحو نظرية في الابداع العلمي
« رد #6 في: أكتوبر 31, 2002, 07:48:58 مساءاً »
اخي الكريم / الاستاذ الخالد ....

اسعد الله اوقاتك بالخير والبركة

 اشكرك على صبرك وقراءتك للموضوع ... والتمعن فيه .

وفي الحقيقة ... واتفق معك بأن الابداع صفة قد يتحلى بها الجميع ، والانسان عموما مخلوق ذكي .
لكن الا تتفق معي بأن قفزات البشرية في العلوم خصوصا ... لا بد لها من عقل خاص  ومدرب جيدا

بخلاف الابداع في القضايا الحياتية اليومية ..
تلك التي قد يبدع فيها الجميع ...

حاولت في طرحي ان اتلمس قدر المستطاع . منهج اؤلئك المجددين في الابداع ، وكيف يفكر هؤلاء ، ليس تقليلا من قدر الناس العاديين .. بل سعيا الى فهم المختلفين ، والارتقاء بالنفس  والاخرين الى درجات ربما توازي درجات اؤلئك المختلفين

اخوك في الله
المعلم
دخل الفارس المنتصر مدينته المفتوحة .... وكانت كل فتيات المدينة الجميلات يهتفن بإسمه ....  فنظر اليه احد الجنود وقال : ما لك لست فرحا يا سيدي؟  .
فأجاب الفارس المنتصر : كنت اود ان اسمع هذا الهتاف ، ولكن من عجائز بيشاور !!!
( بيشاور : المدينة التي ولد فيها الفارس)