Advanced Search

المحرر موضوع: الإدارة: ديمقراطية من الباب الخلفي  (زيارة 481 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

أكتوبر 26, 2002, 01:58:34 صباحاً
زيارة 481 مرات

إداري

  • عضو مشارك

  • ***

  • 292
    مشاركة

    • مشاهدة الملف الشخصي
الإدارة: ديمقراطية من الباب الخلفي
« في: أكتوبر 26, 2002, 01:58:34 صباحاً »
الإدارة: ديمقراطية من الباب الخلفي

 

ندوة جمعية الإداريين البحرينية
BIBF المنعقدة في معهد البحرين للدراسات المصرفية والمالية
12 مارس ‏2002‏
د. منصور الجمري

موضوع هذه الأمسية هو الإدارة، ولكن ليس من الناحية الفنية – التفصيلية المعتادة. فالإدارة كعلم وممارسة، أصبحت ظاهرة ملازمة بل وأساسية لنجاح خطط التنمية والتطوير في أي مجتمع كان. فاليابان لم تكن ستخرج من أزمة ما بعد الحرب العالمية الثانية لولا اعتمادها على مفكرين إداريين أمثال ديمنغ Deming وغيره، وكذلك ألمانيا والدول المتقدمة الأخرى. وعلم الإدارة ظهر كعلم يدرس في الجامعات في مطلع القرن العشرين وذلك في جامعة هارفرد الأمريكية. وهو يعتبر من العلوم الاجتماعية الحديثة التي استطاعت أن تؤثر على مجريات الأمور بصورة واسعة، إلى الدرجة التي قال عنها عالم الإدارة بيتر دركر Peter Drucker أنه لو كان علم الإدارة موجوداً في أيام كارل ماركس لكان ماركس قد أضاف عامل الإدارة كعامل رابع إلى عوامله الثلاث لعملية الإنتاج: "رأس المال والأرض والعامل". ويدعي دركر أيضاً لو أن ماركس أضاف عامل الإدارة لتغيرت عدد من نظرياته الاجتماعية والاقتصادية.

بادئ ذي بدء، فإن علم الإدارة يعتبر علما تطبيقيا مستخرجا من علوم الاجتماع والاقتصاد والسياسة، ويهدف بالأساس لادارة عجلة التنمية الاقتصادية مع مراعاة آخر التطورات في السياسة والاجتماع والثقافة.

ولذا فان علم الإدارة تطور مع تقدم الحياة السياسية والاقتصادية – كان ذلك في بداية الأمر. ولكن ما ثبت في العقود الماضية هو ان تطور علم الإدارة وانتشاره في أوساط الطبقة الوسطى دفع باتجاه تطوير الحياة السياسية والاجتماعية، حاملاً معه مفاهيم الديمقراطية التي وجدت لها باباً خلفياً للدخول إلى المجتمعات المختلفة. وهذا ما نحاول الإشارة إليه في هذه الأمسية.

كثير منا تعود على ربط الإدارة بإدارة الأعمال التجارية، غير أن الواقع هو أن الإدارة مطلوبة في كل مؤسسة من المؤسسات سواء كانت اقتصادية، اجتماعية، سياسية، ثقافية، طوعية، خيرية، الخ.... وبما أننا نعيش في مجتمع معاصر قائم على المؤسسات في كل مجال من مجالات حياتنا، فإننا إذن نعتمد على العامل الذي يحرك المؤسسات التي تدير حياتنا. بل إننا نحتاج لعلم الإدارة أكثر في المؤسسات غير التجارية من المؤسسات التجارية. ذلك لأن المؤسسات التجارية قائمة على وجوب طاعة الموظف والعامل لصاحب العمل. أما المؤسسات الأخرى فإن طاعة الأعضاء الداخلين فيها يتطلب عملاً سياسياً واجتماعياً وثقافياً لخلق المؤسسة الناجحة والعمل التنظيمي الفاعل القائم على مبدأ الشرعية النابعة من مجموع الناشطين والعاملين.

ورغم إن "فن" الإدارة كان ملازماً للحياة الإنسانية منذ آلاف السنين، إلا إن "علم" الإدارة لم تدرك أهميته على المستوى العالمي إلا بعد الحرب العالمية الثانية. فكما أشرنا سابقاً، انتبه اليابانيون لأهمية هذا العلم ودشنوه لكي يطوروا بلادهم بعد تدميرها في الحرب مستعينين بذلك على علماء الإدارة الأمريكان. وتمكن اليابانيون باللحاق بالولايات المتحدة في خلال عقدين بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ومنذ ذلك الحين اصبحوا القوة الاقتصادية الثانية في العالم بعد الولايات المتحدة. وحصل الأمر ذاته في كوريا الجنوبية التي تدمرت كثيراً بعد الحرب الكورية، ولكنها أصبحت الآن من الدول المتقدمة صناعياً واستطاعت اللحاق بالدول المتطورة في خلال أقل من ثلاثة عقود بعد الدمار الذي اصابها بسبب حرب الكوريتين في الخمسينات.

إن مجتمعاتنا الحديثة تنتقل من نمطها التقليدي والقبلي إلى ما يطلق عليه " المجتمع المدني"، ذلك المجتمع القائم على المؤسسات والتنظيمات الاجتماعية. وهذه المنظمات تختص بشأن معين وبهدف موحد ومهام محددة. فالمستشفى، المدرسة، المصنع، الجمعية، النادي، الصندوق، النقابة، البرلمان، المسجد، المأتم، المحكمة، الخ.... كل واحد منها تمثل مؤسسة مجتمعية، وجميع هذه المؤسسات لديها أعضاء أو زبائن أو جمهور تستهدف إرضائه وإشباع رغباته. وكل مؤسسة بحاجة لعلم الإدارة لكي تستطيع أن تقدم منتجاتها وخدماتها بصورة أفضل مما يقدمه منافسيها.

لقد تحولت الإدارة من "فن" في الماضي إلى "علم" في الحاضر، وهذا العلم أثبت قدرته على اختصار الوقت المطلوب لتحقيق أعمال كانت تستغرق فترات خيالية عند مقارنتها بما يمكن إنجازه في عصرنا الحالي. ولإيضاح الفرق بين "الفن" و "العلم" انقل لكم ما قاله لي أحد الإداريين البحرينيين الذي زار اليابان عدة مرات، وفي إحدى زياراته اطلع على مجسم كبير لفيل قام بصناعته عدد من الأشخاص المكفوفين، وكان كل ضرير قد درب على صناعة قسم صغير من مجسم الفيل، وبعد ذلك تم تركيب الأعضاء الصغيرة ليصبح فيلاً مصنوعاً بأحسن أسلوب يمكن أن يصنعه من يستطيع الرؤية.

لقد ظهر علم الإدارة، كما أشرنا في مطلع القرن العشرين وانتشر عالميا بعد الحرب العالمية الثانية. فعندما توسعت الصناعات نمت الحاجة لتنظيم المصانع والمعامل من خلال هيكلية يمكن التحكم بها لمعرفة الإنتاج ونوعيته وجودته، ولذا ظهرت الدراسات الأولى تتحدث عن الهيكلية "STRUCTURE". ثم توسعت الدراسات الإدارية لزيادة الإنتاجية "PRODUCTIVITY" من أجل الحصول على أكبر قدر من الإنتاج من الهيكلية التنظيمية. مع تعقد العمليات الإنتاجية والخدماتية وارتباطها ببعضها الآخر ظهرت الدراسات التي حاولت تشبيه عملية الإنتاج بالأنظمة الهندسية "SYSTEMS". إلا ان كل هذه الدراسات كانت تغفل الجانب الإنساني، ولذا سرعان ما بدأت الدراسات السلوكية "BEHAVIOURAL SCIENCES" تدخل عالم الإدارة محاولة التعرف على الدوافع التي تدفع بأي إنسان للقيام بعمل ما. هذه الدراسات بحد ذاتها دفعت بإدخال مفاهيم القيم والثقافة "CULTURE / VALUES" التي استطاعت أن تعطي أبعاداً أخرى لعلم الإدارة لم تكن موجودة في المقاربات السابقة. لقد أبدع اليابانيون في السبعينات من خلال إدخال مفاهيم القيم والثقافة في عالم الإدارة واستطاعوا نشر مفهوم الجودة بدرجة عالية جعل الكثير يلهث لدراستها للتعرف على سر التطور السريع لليابان في السبعينات والثمانينات.

وبما إن "علم الإدارة" هو انعكاس لعلم الاجتماع والسياسة، فإننا نجد الثمانينات والتسعينات هي فترة "ما بعد الحداثة" في علم الإدارة. ففي هذه الفترة ظهرت شخصيات مثل توم بيترز Tom Peters الذين تحدثوا عن "تفكيك" مفاهيم الماضي وقلبها رأسا على عقب، وعلى الاستفادة من حالة الفوضى التي ستنتج عن تفكيك الأساليب القديمة. واستمراراً لهذا النهج خرج علينا من اقترح مصطلح REENGINEERING قاصدا بذلك إعادة بناء المؤسات الادارية بعد التخلي عن أساليب الماضي التي قامت على أسس تكنولوجية واجتماعية قديمة لا تتلاءم مع عالم اليوم.

إلا إن التطور الأخير في علم الإدارة هو الأهم، وهو الذي يتحدث عن المجتمع المعرفي "KNOWLEDGE SOCIETY" وعن الإدارة المعرفية "KNOWLEDGE MANAGEMENT"، إذ تعتبر مفاهيم الإدارة المعرفية قمة ما توصل له الفكر الإنساني الذي لم يتوقف أبداً عن التقدم إلى الأمام.

ادارة المعرفة بدأت تخلخل النظرية القديمة التي تحدثت عن عوامل الانتاج (رأس المال والارض والعامل)، اذ اصبحت المعرفة اهم من رأس المال واهم من الارض. فالمال يمكن توريثه والارض يمكن توريثها، اما المعرفة فيختزنها الانسان وهي غير قابلة للتوريث. واصبح مايطلق عليه دركر ب KNOWLEDGE WORKER هو الذي يتحكم برأس المال وبالارض. لقد كان ماركس يحلم بسيطرة العامل على رأس المال ومايتحقق هذه الايام هو سيطرة المعرفة التي يختزنها الانسان على رأس المال. والمعرفة ليست صفة ملازمة لكل عامل لانها تستلزم الدخول في عالم المعرفة وتستلزم وجود الادارة المعرفية.

ان مصدر الثروة الحقيقي في عالم اليوم ليس هو رأس المال وليست هي الارض، وانما هي المعرفة، وعلى هذا الاساس، كما يقول شارلز هاندي Charles Handy فان سنغافوة اخذت تطلق على نفسها لقب THE INTELLIGENT ISLAND للاشارة الى ان مصدر تقدمها لايكمن في ارضها او معادنها او اموالها او مكائنها وانما في المعرفة التي يمتلكها شعبها، وهذه المعرفة تستطيع تحصيل بقية العوامل الاخرى. يمكنك ان تصدر مرسوما وتمنح ارضا لشخص ما ويمكنك ان تعطى شخصا كمية من المال ولكن مالايمكنك عمله هو ان تعطي المعرفة بقرار من هذا النوع. فالمعرفة تتطلب التعليم المتطور وتتطلب التدريب المتواصل طوال عمر الانسان وتتطلب تنمية القدرات والمهارات في شتى مجالات الحياة. وهؤلاء الناس لايستطيعون اكتساب العلوم والمهارات الا اذا تم احترامهم وتقديس كرامتهم وتوفير الفرص لهم للتفكير الحر لكي يختاروا طريقهم في الحياة. والتفكير الحر والاختيار والكرامة والاحترام هم المداخل الاساسية لحياة ديمقراطية عادلة.

وهكذا نخلص الى ما يلي:

اذا كانت الإدارة هي سر نجاح كل مؤسسة مهما كان نوعها، وإذا كانت المؤسسات هي أساس حياتنا المعاصرة، فإننا نلاحظ إن جميع الدول والمجتمعات بدأت تعتمد على الإداريين المتدربين لإدارة شئون جميع أنواع المؤسسات. ولذا فإننا نرى وحتى في الدول المتخلفة سياسياً والتي لا تسمح بوجود مؤسسات متطورة، كالبرلمان مثلاً، فإنها مضطرة للسماح للمؤسسات الاقتصادية وغير الاقتصادية لكي تستطيع اللحاق بركب التطور في أي جانب من جوانبه. ولهذا فإننا نرى المؤسسة الحديثة المعتمدة على أفضل الإداريين المستوعبين لقيم العصر، وأهمها الكفاءة المعرفية والشفافية والمحاسبة تخترق جميع انواع المجتمعات. وفي الوقت ذاته نرى إن هؤلاء الأشخاص المتفوقين اداريا قد لا يسمح لهم بالحصول على المؤسسة السياسية الحديثة القائمة على هذه المفاهيم. ولذا نرى إن هذه الطبقة المتعلمة والمتنفذة هي التي تدفع – عادة - باتجاه الإصلاح السياسي لأنها الأكثر فهماً واستيعاباً لمتطلبات عصرها.

وهكذا فإن مفاهيم الديمقراطية (الكفاءة/ المحاسبة/ الشفافية/ التشاور/ القرار الجماعي/ الخ) التي يمنعها البعض من الدخول لمجتمعاتنا (عبرإصلاح سياسي مثلا) تجد لها بوابة خلفية للولوج بذات المفاهيم التي يخشى منها.
إن الذين يحاولون طعن العمل الوحدوي العربي من أساسه مستدلين بخلافات الانظمة العربية، هؤلاء أصحاب نظرة سطحية للواقع الفعلي لامتنا العربية