Advanced Search

المحرر موضوع: كيف صارت الكوسمولوجيا علمًا  (زيارة 769 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

أكتوبر 19, 2008, 12:34:12 صباحاً
زيارة 769 مرات

ابن القيم

  • عضو مشارك

  • ***

  • 399
    مشاركة

  • مشرف قسم الفلك

    • مشاهدة الملف الشخصي
كيف صارت الكوسمولوجيا علمًا
« في: أكتوبر 19, 2008, 12:34:12 صباحاً »


اخواني موضوعنا اليوم مقال بعنوان
كيف صارت الكوسمولوجيا علمًا
هل كان للكون بداية، أم أنه أزلي دائم الوجود؟ لقد اعتبر العلماء هذا السؤال طوال ردح طويل من الزمان خارجا عن حدود اهتماماتهم، وأنه من اختصاص أهل الفلسفة وعلماء اللاهوت. ولم يبتدئ الفيزيائيون والفلكيون بمعالجة هذا الموضوع إلا بحلول منتصف هذا القرن، عندما أخذوا يتزودون بنظريات متينة وتقنيات تجريبية جدّ حساسة مكَّنتهم من تناول هذا الموضوع بالبحث والتمحيص.
عند ذلك برزت نظريتان كوسمولوجيتان متنافستان. أولاهما، وهي التي عرفت بين عامة الناس باسم نظرية الانفجار الأعظم، فتفترض أن الكون تطور انطلاقا من حالات ابتدائية حرارتها وكثافتها هما من الشدة بحيث لم تسمحا بوجود أي شيء خلا الإشعاع والجسيمات الأولية؛ بعد ذلك تمدد الكون وتبرَّد مخلفا النجوم والمجرات. أما النظرية الأخرى فتفترض أن الكون كان موجودا منذ الأزل، وأن تشتت المادة الناجم عن التمدد المرصود للكون يُعوَّض بالخلق المستمر للمادة.
بيد أن نظرية الانفجار الأعظم هي التي سادت، وذلك يعود بشكل رئيسي إلى ظاهرة تسمى إشعاع الخلفية الكونية cosmic background radiation جرى التنبؤ بها وتم رصدها وتفسيرها. إن هذا الإشعاع، الذي يعتبر على نطاق واسع التوهج المتبقي afterglow من حدوث الانفجار الأعظم، يغمر السماء في جميع الاتجاهات بترددات مكروية الموجة microwave. وقد تم اكتشاف الخلفية الكونية في عامي  1964-1965  من قبل كل من و من مختبرات (مخابر) بل Bell عندما كانا يحاولان تخليص هوائي جهاز للراديو من الضجيج المكروي الموجة. إن نموذج الحالة المستقرة steady state للكون لم يتنبأ بمثل هذا الإشعاع ولا يمكن أن يفسره على نحو مقبول ومعقول، وهكذا فإن الفرضيات المتصلة بأصل الكون واجهت، ولأول مرة، اختبارا تجريبيا من شأنه أن يخلِّف رابحًا وخاسرًا.
نادرا ما تُعتمد نظرية أو تُفند نتيجة لاختبار وحيد. بيد أنه في هذه المرة، تغيرت الآراء بسرعة ما بين عشية وضحاها، لأن معظم الكوسمولوجيين، وخلال بضع سنوات، إما أنهم تنبؤوا بنظرية الانفجار الأعظم، أو أنهم توقفوا عن نشر بحوثهم في هذا الميدان. وقد فاز پنزياس وويلسون بجائزة نوبل في الفيزياء عام 1978 تقديرا لاكتشافهما. وفي الشهر 4/1992 وفرت قياسات لتغيرات صغيرة في إشعاع الخلفية دعما آخر لنبوءة نظرية الانفجار الأعظم.
بيد أنه ما من أحد يمكنه تقييم أهمية اكتشاف الخلفية الكونية المكروية الموجة بمعزل عن التراث المعرفي الذي خلّفه عدد كبير من علماء آخرين خلال هذا القرن. وتساعدنا دراسة تاريخ هذا الاكتشاف على تعرُّف نوع آخر من البحث العلمي الخلاق. وبمتابعة القصة بعد عام 1965 لنرى كيف أثر هذا الاكتشاف في النظريات الكوسمولوجية المتنافسة حينذاك، فإننا نتمكن من اختبار الأفكار التنافسية حول طبيعة التقدم العلمي.
بدأت كوسمولوجيا الانفجار الأعظم تحظى باهتمام بالغ في الثلاثينات من هذا القرن، بعد أن بيّن ، الفلكي الأمريكي البارز، أن المجرات تبدو مبتعدة إحداها عن الأخرى، وأنه كلما زادت المسافة التي تفصلنا عنها ابتعدت بسرعات أكبر. ويقتضي اكتشاف هابل هذا أن الكون يتمدد؛ وقد فسر أيضا بأن الكون كان فيما مضى مرتكزا في منطقة صغيرة جدا من الفضاء وفي وقت محدد. وقد استعمل كل من الفيزيائي الروسي والقس البلجيكي نظرية آينشتاين في النسبية العامة لوصف الكيفية التي يمكن أن يتطور وفقها عالَم آخذ في التمدد.
وقد قامت الفيزياء النووية بدور في ذلك، إذ قدمت الوسائل اللازمة لنمذجة اصطناع العناصر من جسيمات أولية (أساسية). لكن هذه الوسائل لم تخدم مؤسس نظرية الانفجار الأعظم وزميليه و فحسب، بل ساعدت أيضا ـ الذي كان حينذاك في جامعة كامبردج ـ والذي دعم نظرية الحالة المستقرة(1) steady state theory المنافسة لنظرية الانفجار الأعظم.
هذا وإن بحوث آينشتاين و ، التي أجرياها في منقلب هذا القرن أثناء صياغة فيزياء إشعاع الجسم الأسود blackbody radiation، أسهمت إسهاما حيويا في البحوث النظرية الكوسمولوجية. ويستمد الجسم الأسود اسمه من خاصيته المثالية في امتصاص كل الإشعاع الوارد إليه ثم إعادة هذا الإشعاع. وهذه الطاقة التي أُعيد إشعاعها توزَّع عبر الطيف وفق مخطط متميز جدا سبق أن تنبأ به پلانك. ولما كانت الكرة النارية البدائية primordial fireball، في أطوارها الأولى، لا بد أن تكون قد وضعت الطاقة والمادة في حالة توازن حراري تام، فإن أول إشعاع تحرر من الانفجار المتبرد لا بد أن يكون قد مثّل نموذجا لإشعاع الجسم الأسود.
ومازال من الضروري إجراء حسابات دقيقة لمعرفة الشدة التي تبدو بها الطاقة في المخطط الطيفي في أيامنا هذه، وذلك بعد بلايين السنين من بدء الكرة النارية بالتمدد والتبرد. تُرى، كم كانت درجة حرارة الإشعاع في الفضاء؟ لا يمكن أن تتوفر إجابة عن هذا السؤال إلا بعد أن يطور العلماء نظريةً كميةً لتطور الكرة النارية بعد حدوث الانفجار الأعظم
ابتدأ تطوير هذه النظرية الكمية الفيزيائي الروسي المولد گاموف الذي أسس شهرته على تفسيره للتفكك (الاضمحلال) الإشعاعي radioactive decay. جاء گاموف إلى الولايات المتحدة في الثلاثينات حيث درَّس أولا في جامعة جورج واشنطن، ثم في جامعة كولورادو. وفي جامعة جورج واشنطن ركز گاموف على السمات الكوسمولوجية والسمات الفيزيائية الفلكية astrophysical للتفاعلات النووية ـ وإضافة إلى ذلك ـ فقد درس الآليات التي تم وفقها اصطناع العناصر الأولى.
وقد بحث گاموف عن إجابة عن سؤاله في نهايتي السلم الكوني cosmic scale. وفي بداية الثلاثينات بيّن الفلكيون أنه كان يسود معظم النجوم عنصران اثنان هما الهيدروجين والهيليوم. وكان من المنطقي الافتراض بأن الهيدروجين هو أول عنصر تكوّن لأن نواته تحوي بروتونا واحدا، وأن الهيليوم ـ وهو ثاني أثقل العناصر، والذي تحوي نواته بروتونين اثنين ونترونين اثنين ـ هو أول "أعلى" العناصر المكوَّنة من اندماج الهيدروجين. ولكن البروتونات لا يمكن أن تندمج إلا إذا تغلبت قوة على التنافر الكهرسكوني electrostatic repulsion الشديد فيما بينها. ويبدو أن هذه العملية تتطلب قدرا كبيرا من الحرارة والضغط لا يستطيع توفير ظروفها الملائمة سوى حادث بدائي أو الجزء الداخلي من نجم.
إن الذي طوَّر النظرية السائدة للفيزياء النووية للنجوم، والتي بقيت في معظمها مقبولة في أيامنا هذه، هو الفيزيائي الألماني المولد من جامعة كورنل، وذلك عام 1938. وكان بيث يطمح إلى تفسير كيف تتألق الشمس. وقد شرح ذلك بافتراضه أن الاندماج النووي في داخل النجوم يحوِّل المادة إلى طاقة. وعلى وجه التحديد، فقد اقترح بيث إمكان حدوث تفاعلين اندماجيين في نجوم مثل الشمس: أحدهما يدمج البروتونات في نوى الهيليوم، والآخر يضيف بروتونات إلى نوى الكربون لتكوين عناصر أثقل. لكن أين نشأ الكربون؟ لم تتوفر إجابة عن هذا السؤال إلا في الخمسينات عندما اقترح هويل تفاعلا يمكن أن يولد الكربون من ثلاث نوى هيليوم ضمن الشروط الخاصة التي توجد في قلب النجوم. وقد جرى التثبت من هذا التفاعل وغيره من التفاعلات اللازمة لتوليد عناصر أثقل تجربيا في مُسَرِّع جسيمات عالية الطاقة من قبل وفريقه في معهد كاليفورنيا للتقانة (C.I.T). وقد قدم هويل و في هذا الصدد عونا نظريا مهما. وبحلول عام 1957 استُنبطت خطة لتفسير الطريقة التي قد تكون النجوم اصطَنعت وفقها معظم العناصر من الهيدروجين والهيليوم، وقد أبدع هذه الخطة فاولر وهويل و من كالتيك Caltech بالتعاون مع الذي كان يعمل في مرصدي ماونت ويلسون وپالومار. وقد أنجز هذا العمل بصورة مستقلة الذي كان يعمل في وكالة الطاقة الذرية الكندية. ومع ذلك فقد بقيت الوفرة الكونية(2) للهيليوم سرا خفيا.
وقد قام گاموف بوضع فرضية جريئة أدت في نهاية المطاف إلى حل لغز مسألة الهيليوم. ففي صيغة نظرية الانفجار الأعظم التي ابتدعها اقترح گاموف أن العناصر ربما تكونت حتى قبل تشكل النجوم، وذلك في خضم غاز من النترونات حرارته وكثافته هائلتان. ولا بد أن تكون بعض النترونات قد تفككت بعد ذلك إلى بروتونات وإلكترونات ـ وهي اللبنات الأساسية للهيدروجين. وفي عام 1948 قام گاموف، المعروف بذكائه وألمعيته وبضيق صدره بالتفاصيل، بتخويل مهمة تطوير النظرية إلى وهو أحد طلبة الدراسات العليا في جامعة جورج واشنطن. وفي هذا المضمار تعاون ألفر فيما بعد مع من مختبر الفيزياء التطبيقية في جامعة جونز هوبكنز. وقد أطلق ألفر على مادة گاموف الأولية اسم "إلِم" ylem المشتق من كلمة يونانية معناها "مادة أزلية" primordial matter.
واستنادا إلى نظرية گاموف كما صاغها ألفر وهيرمان، فإن النوى الكبيرة تكونت في الجحيم القدمي primeval inferno من تعاظم النوى الأصغر، بدءا من الهيدروجين، بالأسر المتتالي للنترونات. وقد استمرت هذه العملية إلى أن نفدت ذخيرة النترونات الطليقة وهبطت درجة الحرارة وتشتت الجسيمات.
حاول هويل التقليل من شأن هذه الفكرة الجديدة المنافسة لسيناريو الحالة المستقرة الذي اقترحه، وذلك بأن أطلق عليها اسم نظرية الانفجار الأعظم big bang theory. ولكن السحر انقلب على الساحر؛ إذ إن هذه التسمية كانت معبرة جدا، حتى إن دعاة نظرية گاموف اعتمدوها اسما لهذه النظرية.
وسرعان ما أدرك ألفر وهيرمان أن الإشعاع الذي كان ينتشر في نموذج الكون الذي تبنياه يبقي على طيف منبع الجسم الأسود خلال تبرده. وفضلا عن ذلك، فقد استطاعا حساب كيف أن تمدد الكون أضْعَفَ هذا الإشعاع وقلَّل من درجة حرارته. وقد استخدم هذان العالمان تقديرات الكثافة الحالية للمادة في الكون بغية التنبؤ بدرجة حرارة إشعاع الخلفية الكونية cosmic background radiation في أيامنا هذه، وقد مكنهم ذلك من التوصل إلى قيمة تساوي نحو 5 درجات كل?ن (أي 5 درجات سيلزية فوق الصفر المطلق).
لم يتسرع الفلكيون لتأييد هذا التنبؤ، وقد يعود هذا إلى أنهم ربما لم يعرفوا كيف يميزوا الخلفية الكونية عن المنابع الإشعاعية الأخرى، أو أنهم ربما لم يأخذوا الكوسمولوجيا التي استند إليها التنبؤ على محمل الجد. هذا وإن الصيغة الأصلية لنظرية الانفجار الأعظم تعاني مشكلتين رئيسيتين: أولاهما أنها فشلت في تفسير تَكُّون العناصر التي تأتي بعد الهيليوم، والتي عددها الكتلي mass number هو 4. ولما لم يكن ثمة وجود لنظائر مستقرة stable isotopes لها أعداد كتلية تساوي خمسة وثمانية، فلا يمكن صنع عناصر أثقل باستخدام الهيليوم وإضافة نترونات بمعدل واحد كل مرة. ولا يمكن حل هذه المسألة إلا بالاستعانة بالاصطناع النووي النجمي stellar nucleosynthesis الذي اقترحه هويل وفاولر ومعاونوهما، وهو فكرة متصلة بنظرية الحالة المستقرة. وفي الحقيقة، فإن الصيغة الحديثة لنظرية الانفجار الأعظم تفترض أن العناصر التي تأتي بعد الهيليوم لم تنشأ إلا بعد تكون الجيل الأول من النجوم.
وهناك اعتراض ثان على كون يفترض أنه انطلق من انفجار أعظم؛ ألا وهو مسألة عمر هذا الكون. فالقياسات الفلكية للمسافات وللسرعات التراجعية للمجرات بتطبيق قانون هابل في التمدد، تقتضي عند ذلك أن يكون عمر الكون بليوني سنة. لكن صخور سطح الأرض تثبت بأن عمر كوكبنا أكثر من ذلك بكثير.
وكان ثمة اعتقاد سائد بأن نظرية الحالة المستقرة تحل هذا التناقض الظاهري. وفي إحدى أمسيات عام 1946 توجه ثلاثة علماء صغار السن من جامعة كامبردج بإنكلترا ـ هويل و و ـ لمشاهدة فيلم عن الأشباح اسمه ميِّت الليل Dead  of Night. وقد روى هويل في وقت لاحق "أن الفيلم كان مؤلفا من أربعة أجزاء منفصلة وموصولة بعضها ببعض بصورة بارعة على نحو أصبح فيه الفيلم دائريا، بمعنى أن نهايته أصبحت بدايته نفسها." وقد توجه گولد إلى صديقيه بسؤال عما إذا كان من الممكن أن يكون الكون قد شُيِّد بصورة مماثلة. وتعليقا على هذه الملاحظة انتهى هؤلاء العلماء في مناقشاتهم إلى وضع نموذج دينامي، لكنه ليس دائريا، للكون بحيث يبدو النموذج دوما هو نفسه على الرغم من كونه دائم التغير.
واستنادا إلى رؤية هويل وبوندي وگولد، فإنه لم يكن للكون بداية. وقد رأوا أن ابتعاد المجرات عنا لا يترتب عليه توهين attenuation متواصل للمادة؛ وقد ذهبوا إلى أن مجرتنا لن تترك وحدها البتة؛ لأن المادة تخلق باستمرار بمعدل كاف تماما لتعويض المادة التي تختفي من العالم المرئي. وهذه المادة الجديدة تكوِّن في نهاية المطاف النجوم والمجرات، بحيث يبدو الكون دوما نفسه تقريبا لأي راصد في أي لحظة.
وقد يعترض أحد على هذا انطلاقا من أن خلق المادة من لا شيء يخالف قانون انحفاظ (مصونية) conservation المادة والطاقة. لكن الرد على هذا الاعتراض واضح: فنظرية الانفجار الأعظم أيضا تخرق هذا القانون وذلك بافتراضها أن المادة تولَّد كلها دفعة واحدة في بدء الزمن عندما تم هذا الفعل بعيدا عن متناول الدراسة العلمية. (وفي صيغة متأخرة لنظرية الحالة المستقرة، اقترح هويل أن الطاقة التثاقلية  gravitational energy تولد مادة، وهذا تهذيب للنظرية يعيد الانحفاظ الكلي للكتلة ـ الطاقة إلى مكانه، لكنه يبرز مشكلات أخرى.)
ويؤكد مؤيدو نظرية الحالة المستقرة أن نظريتهم تتفوق من الوجهة العلمية على نظرية الانفجار الأعظم لأنها سلَّمت بسيرورة (وهي الخلق المستمر) يمكن من وجهة المبدأ رصدها وملاحظتها. وفضلا عن ذلك، فهم يحاجُّون في أن نظريتهم تنبأت بظواهر من نمط يمكن للفلكيين أن يختبروها في المستقبل القريب.
وبغية دعم نموذجهم، الذي يستند إلى عدد قليل من الأرصاد، فقد قام بوندي وگولد ومؤيدون آخرون لنظرية الحالة المستقرة بالاستشهاد صراحة بعقيدة نادى بها Popper وهو فيلسوف أسترالي المولد يعيش الآن في إنكلترا. يعرِّفُ پوپر العلم بأنه فرع من المعرفة مؤسَّس على وضع فرضيات تتنبأ بظواهر طبيعية ـ من الأفضل أن تكون جديدة ـ يمكن اختبارها. فإذا فشل أحد التنبؤات، فإنه يتعين على العالم التخلي عن الفرضية المقابلة، وإن صحت هذه الفرضية، فلا يجوز للعالم الادعاء بأنه أثبتها؛ وكل ما يمكن أن يدعيه هو أنه رسَّخ هذه الفرضية كقاعدة لمزيد من البحث.
ويقضي مبدأ پوپر أن الاختبار، وليس الحقيقة، هو الذي يجب أن يُعتمد معيارا للحكم على صحة النظريات العلمية. وعلى سبيل المثال، فإن پوپر ينبذ الماركسية والتحليل النفسي باعتبارهما من "العلوم الزائفة" pseudoscience، إذ يُعتقد أن هاتين النظريتين هما من المرونة بحيث يمكنهما تفسير أي حقيقة وبالتالي التملص من أي اختبار.
وقد اقترح بوندي اختبار نظرية الحالة المستقرة بمقارنة الكون كما هو الآن بالكون كما كان. ولما كانت نظرية الحالة المستقرة ترى بأن الكون يبدو دوما الشيء نفسه تماما، فإنها تتنبأ بأن المجرات التي تكونت حديثا ستشبه تلك التي تكونت منذ زمن بعيد. فإذا أمعنّا النظر في أغوار الفضاء ـ ومن ثم عدنا بالزمن إلى الوراء لأن سرعة الضوء منتهية ـ ورأينا أن المجرات النائية مختلفة عن المجرات القريبة، فإن بوندي يستخلص من هذا أن "نظرية الحالة المستقرة تغدو فاقدة لكل مقومات الحياة." لكن بوندي، كغيره من الذين كتبوا في هذا الموضوع قبل عام 1965، فشل في ذكر اختبار آخر لنموذج الحالة المستقرة: فالنموذج لا يتنبأ بالخلفية الكونية المكروية الموجة microwave.
وهكذا فشلت النظرية في الاختبار الذي قرره بوندي. ففي الخمسينات وبداية الستينات من هذا القرن بينت مجموعة متنوعة من الأرصاد الفلكية أن الكون قد تغير كثيرا مع مرور الزمن. وقد قام من جامعة كامبردج بعدِّ منابع راديوية قريبة وأخرى بعيدة، وهو يعلم أن الإشارات البعيدة استغرقت وقتا أطول لوصولها إلى الأرض، ومن ثم فإنها بينت حقبة أبكر في التاريخ الكوني. وقد توصل رايل إلى أنه كان يوجد في الماضي عدد أقل من هذه المنابع. وعلى الرغم من أن بعض الفلكيين حاجّوا في أنه لم يثبت ما ادعاه، فقد برزت أدلة داعمة إضافية لدعواه هذه حين اكتشف الفلكيون ما بدا أنه أقدم المنابع الراديوية ـ ألا وهي الأجرام شبه النجمية quasistellar objects، أو الكوازارات quasars، فهذه الأجرام ليس لها، البتة، أشباه معاصرة.
في هذه الأثناء، فإن القضية المربكة حول التفاوت بين عمر الكون وعمر الأرض حلت على نحو يؤيد وجهة نظر أنصار الانفجار الأعظم. ففي عام 1952 قام الفلكيون، بمبادرة من من مرصد ماونت ويلسون، بمراجعة قياساتهم للمسافات المجرية مضروبة بعامل قدره اثنان. لذا فإن العمر المقدر للكون ضرب باثنين أيضا. وقد رفعت بحوث لاحقة هذا العمر إلى حد أدنى قدره 10 بلايين سنة، في حين أن عمر الأرض بقي محافظا على قيمته التي تساوي 4.5 بليون سنة.
ومع ذلك، فإن كثيرا من العلماء، وبخاصة في بريطانيا، أعجبوا بالبساطة التي تتسم بها نظرية الحالة المستقرة، ومن ثم واصلوا تشبثهم بها. وقد أشاروا إلى أنه لا يتعين على أحد أن يورد افتراضات اعتباطية تدعم حدوث انفجار أعظم، ولا أن يقلق بشأن ما حدث قبل هذا الانفجار. كذلك، فقد أنعش مؤيدي نظرية الحالة المستقرة فشلُ المحاولات المبكرة لدحض نظريتهم، الأمر الذي جعلهم يشككون بأي هجوم يشن ضدهم.
وإذ واصل مؤيدو نظرية الحالة المستقرة تكريس مزيد من الوقت في دحض الشواهد المتراكمة ضد نظريتهم، فإن تمسكهم بمنهجية فلسفة پوپر صار أضعف مما كان عليه في السابق. ويبدو أنهم تحولوا إلى فلسفة ذات النظرة الأكثر ارتيابا في العلم. وقد حاجَّ هذا الفيزيائي الفذ في كتابه السيرة العلمية الذاتية وبحوث أخرى Scientific Autobiography and Other Papers  1949  في أن "الحقيقة العلمية الجديدة لا تنتصر بإقناع معارضيها وبجعلهم يرون الضوء، بل على الأصح بوفاة هؤلاء في نهاية المطاف، ليأتي بعدهم جيل جديد متآلف معها."
إن مبدأ بلانك، كما يسميه مؤرخو العلوم الآن، يخالف مبدأ پوپر في تأكيده بأن العنصر الإنساني في العلم يقف في مواجهة المنطق المجرد. وكما أن الفلكيين يوازنون بين نظريتي الانفجار الأعظم والحالة المستقرة في وصف الكون، فإن كثيرا من مؤرخي العلوم يحاولون تقرير الأصلح بين وصفي بلانك وپوپر للعلم. لننظر فيما يبدو الأدق في هذه الحالة الخاصة دون الحكم مسبقا بأن العلم يسير في هذا الطريق أو ذاك.
في عام 1959 بينت إحصائية أن معظم الفلكيين يرفضون الخلق المستمر للمادة (أي نظرية الحالة المستقرة)، وذلك على الرغم من أن الثلث فقط من أولئك الذين تم استفتاؤهم قد أيدوا نظرية الانفجار الأعظم. حتى إن هويل بالذات قد تخلى عن نموذجه الأصلي واستعاض عنه بفرضية أكثر تعقيدا. ففي عام 1964 استنتج هويل أن الكميات الوفيرة من الهيليوم في الكون تقتضي أن يكون الكون قد "طُبخ" بدرجات حرارة تفوق 1010 درجة كل?ن. ومع ذلك فقد رفض هويل هجر فكرة الخلق المستمر للمادة. لقد كان من الضروري حدوث هزة عنيفة جديدة.
وفعلا، فقد حدثت تلك الهزة العنيفة نتيجة لاكتشاف الخلفية الكونية المكروية الموجة. وقد أنجز هذا الاكتشاف پنزياس وويلسون بقياسهما درجة حرارة الفضاء، أو كما يقول الفيزيائيون، بتحري التوزع الطيفي لجسم بلانك الأسود الموافق لدرجة حرارة معينة. إن الإشعاع الكهرمغنطيسي ينتشر في المناطق الواقعة بين الكواكب والنجوم، لذا فيمكن تحريه بأجهزة مقامة على الأرض. ويأتي الكثير من هذا الإشعاع بترددات معينة تحددها الخواص الفيزيائية والكيميائية للمصادر الفلكية. لذا فلا يمكن أن يميز هذا الإشعاع بدرجة حرارة واحدة. وعوضا عن ذلك، فإن الباحثين يفتشون عن الإشعاع الذي يكون في توازن حراري في درجة حرارة معينة. وبعبارة أخرى، فهذا الإشعاع يتوزع بصورة مستمرة على ترددات مختلفة وفق القانون الذي اكتشفه بلانك عام 1900.
إن لتوزع بلانك شكلا مميزا لكل درجة حرارة [انظر الشكل في هذه الصفحة]. وفي الكون الذي نعيش فيه، فإن إشعاع الخلفية يوافق درجة حرارة أقل قليلا من ثلاث درجات كل?ن. ويبلغ التوزع ذروته في طول موجي قدره 0.18 سنتيمتر تقريبا. وهو يقع في المنطقة المكروية الموجة من الطيف.
ومن الممكن استنتاج درجة حرارة الفضاء بصورة غير مباشرة. فقد أشار عام 1926 إلى أن كمية الضوء الوارد من جميع النجوم ـ أي إن كثافة الطاقة الكلية ـ ستكون مساوية 3.2 درجة كل?ن إذا حولناها إلى توازن حراري. لكن إدينگتون لم يقترح إجراء محددا لاختبار صحة تنبؤه.
وفي ذلك الوقت، فإن عالما حتى من مكانة إدينكتون لا بد أن يكون قد وجد أن التنطح لإجراء هذا الاختبار أمر شاق ومثبط للهمم. فمن الواضح أن موازين الحرارة ستغمر بالطاقة الواردة من الشمس وأجرام سماوية أخرى ومن جو الأرض. ولن يحدونا الأمل في تحري الأمواج المكروية الكونية إلا باستخدام أجهزة جد حساسة ومعدلة كي تناسب أطوالا موجية بين ميلّيمتر وسنتيمتر ومعزولة عن المنابع المحلية.
وبعد قرابة 15 سنة من نبوءة إدينگتون التي تنطوي على نفاذ بصيرة غير عادي، اقترح (من مرصد الدومينون للفيزياء الفلكية في كندا) طريقة عملية لقياس ما دعاه درجة الحرارة الفعلية للفضاء. إن ماك كيلر، الذي كان واحدا من أوائل الفلكيين الذين افترضوا إمكان وجود جزيئات وذرات أيضا في الفضاء بين النجوم interstellar space، اقترح استخدام جزيء السيانوجين) cyanogen  CN كميزان للحرارة. وقد لاحظ أن السيانوجين يصدر خطوطا طيفية كثافتها النسبية توافق عدد الإلكترونات في حالات الطاقة العالية ـ التي هي نفسها دالة function في درجة حرارة الفضاء، وقد قدر ماك كيلر درجة الحرارة بأنها تساوي 2.3 درجة كل?ن
بيد أن هذه المقاربات غير المباشرة لم تمكِّن العلماء من التخلص من تدخل المنابع المحلية، الأمر الذي حتّم تحري الإشعاع نفسه ومعرفة توزعه عبر السماء. لكن جهاز الرادار الذي طُوِّر في معهد ماساتشوستس للتقانة (M.I.T) خلال الحرب العالمية الثانية لم يكن قادرا تماما على الإحساس مباشرةً بالخلفية الكونية لكل من يريد البحث عنها.
وفي عام 1946 أعلن فريق من باحثي المعهد M.I.T برئاسة عن حصولهم على قياسات إشعاع جوي باستخدامهم راديومتر (مقياس إشعاع) للأمواج المكروية microwave radiometer. وقد لاحظ الفريق أن "الإشعاع من المادة الكونية في الأطوال الموجية الراديومترية" كان ضعيفا جدا ـ أقل مما يعادل 20 درجة كل?ن ـ لكن الفريق لم يتابع هذا الإشعاع المرصود. وقد تذكر دايك في وقت لاحق، بعد أن انتقل إلى جامعة پرنستون، أنه "حين أجريت هذه القياسات، فإننا لم نكن نفكر في إشعاع "الانفجار الأعظم"، وإنما في احتمال ورود توهج صادر عن أبعد المجرات في الكون."
ويقترح في كتابه الدقائق الثلاث الأولى(3) The First Three Minutes سببين لعدم قيام أي من الباحثين بإجراء بحث منهجي عن إشعاع الخلفية الكونية قبل عام 1965. أولهما أن نظرية الانفجار الأعظم فقدت بعضا من مصداقيتها حين فشلت في تفسير تكون عناصر أثقل من الهيليوم، الأمر الذي جعلها تبدو عديمة الأهمية في اختبار التنبؤات الأخرى للنظرية. وبالمقابل، فإن الاصطناع النووي في النجوم ـ وهو نظرية مرتبطة بكوسمولوجيا الحالة المستقرة ـ بدا وكأنه يفسر كيف يمكن توليد عناصر ثقيلة من الهيدروجين والهيليوم، على الرغم من أنه لم يفسر كيف تكوَّن الهيليوم أولا.
أما السبب الثاني فيعزوه واينبرگ إلى انقطاع الصلة بين المنظِّرين والتجريبيين. فالمنظرون لم يدركوا أن من الممكن رصد الإشعاع بالتجهيزات المتوفرة في ذلك الوقت، كما أن التجريبيين لم يدركوا أهمية هذه الأرصاد. ولما كان دايك منظِّرا وتجريبيا في آن واحد، فقد أدى دورا رئيسيا في هذا الصدد، إذ إنه، بالاشتراك مع آخرين، أمكنه ربط ضجيج غريب مكروي الموجة بالنظريات الكوسمولوجية.
إن أكثر الفرص المرموقة قد ضاعت نتيجة سوء تفاهم بين گاموف وهويل. وعلى الرغم من أن كلا منهما كان يكيل الانتقادات لنظرية الآخر، فإنهما كانا يجريان فيما بينهما مناقشات ودية. وفي عام 1956 أخبر گاموف هويل أن الكون يجب أن يكون مملوءا بإشعاع مكروي الموجة بدرجة حرارة قدرها 50 درجة كل?ن تقريبا. (وقد توصل إلى هذا التقدير من دون مساعدة أحد، بعد أن نشر ألفر وهيرمان تنبؤهما).
وما حدث أن هويل كان مطلعا على اقتراح ماك كيلر الذي يقول بأن درجة حرارة الفضاء تساوي نحو ثلاث درجات كل?ن، وهذا ما جعل هويل يناقش گاموف في أن درجة الحرارة التي اقترحها الأخير لا يمكن أن تكون بهذا الارتفاع. ولكن لم يدرك أي منهما أنه إذا كان بإمكان القياس المباشر أن يثبت القيمة التي اقترحها ماك كيلر (أي ثلاث درجات كل?ن) وأن يرسخ أيضا طيف بلانك، فإن هذا كفيل بتنفيذ نظرية الحالة المستقرة التي ـ كما اعترف هويل ـ تتنبأ بأن درجة حرارة الفضاء تساوي الصفر.
ثمة نوع مختلف من مسائل الاتصالات ـ مرحِّلات سواتلية satellite relays ـ أدى إلى اكتشاف الخلفية الكونية المكروية الموجة. فقد أرادت مختبرات (مخابر) شركة بل أن تتمكن سواتلها من نقل أكبر عدد ممكن من المعلومات بترددات مكروية الموجة، وهذه مهمة تطلبت من العاملين في الشركة تحديد الضجيج من مختلف مصادره والتخلص منه. وقد كانت المكونات المادية للمرحل relay hardware مشتقة من منتج للشركة خاص بالرادار صنع خلال الحرب العالمية الثانية. وهو مؤلف من مستقبِل شبيه بالقرن كان قد صنعه عام 1942 مهندسان في شركة بل. وقد قام مهندس آخر في مختبرات بل، بتطوير الفكرة إلى مدى أبعد. فقد بنى هذا المهندس عام 1960 مستقبلا له شكل قرن طوله 20 قدما في المصنع Crawford Hill قرب هولمديل في ولاية نيوجيرسي. وهذا العاكس reflector الذي كان يُستخدم أساسا في استقبال الإشارة المرتدة عن منطاد بلاستيكي في أعالي الجو، أصبح صالحا كي يُستعمل من قبل پنزياس وويلسون في أغراض أخرى في الوقت المناسب تماما.
أراد هذان الباحثان أن يبتدئا برنامجا بحثيا في الفلك الراديوي. ولإعداد آلة عالية الحساسية لأداء عملهم، كان على پنزياس وويلسون أن يخلصاه أولا من الضجيج المكروي الموجة. وقد أخفقا في ذلك خلال محاولاتهما الأولى. وأخيرا، ترامى إلى أسماع پنزياس في الشهر 1/1965 أن پيبلز توصل إلى نظرية ربما فسرت منشأ هذه الإشارة المستمرة دون انقطاع.
كان پيبلز يعمل مع دايك في پرنستون التي تبعد قرابة 25 ميلا عن مختبر هولمديل. وقد رفض دايك تلك الفرضية التي تحتم على أن الكون قد بدأ بانفجار أعظم، لأنه كان يعتقد بأن الكون قد مر على الأرجح بأطوار من التمدد والتقلص. وقد كان يخمن أنه في نهاية كل تقلص كانت المادة كلها تمر بدرجات حرارة وكثافات هي من الشدة بحيث تفكك أثقل النوى إلى بروتونات ونترونات.
وهكذا، فعلى الرغم من أن كون دايك لم يبتدئ بانفجار أعظم، فإن كل دورة من دوراته يجب أن تبتدئ بانفجار أعظم. وفضلا عن ذلك، فإن كوسمولوجيا دايك تقتضي وجود كرة نارية ابتدائية ذات إشعاع عالي الحرارة، تحافظ على ميزة الجسم الأسود البلانكي Planckian حين تبردها، وقدر أن درجة الحرارة الحالية للإشعاع هي 45 درجة كل?ن. ومن الواضح أنه نسي قياسه الذي أجراه عام 1946 والذي أوحي بوجود إشعاع للخلفية حرارته تقل عن 20 درجة كل?ن. وقد أجرى پيبلز حسابات إضافية انطلاقا من نظرية دايك وتوصل إلى تقدير يساوي نحو 10 درجات كل?ن.
شرع دايك وپيبلز بعد ذلك مع اثنين من طلبة الدراسات العليا ببناء هوائي في پرنستون لقياس إشعاع الخلفية الكونية. وقبل أن تسنح لهم فرصة للحصول على أي نتيجة، تلقى دايك مكالمة هاتفية من پنزياس اقترح فيها على دايك الاجتماع به لمناقشة الضجيج في هوائي كراوفورد الموافق لدرجة حرارة قدرها 3.5 درجة كل?ن تقريبا. وسرعان ما اتضح أن پنزياس وويلسون كانا قد كشفا هذا الإشعاع الذي تنبأ به دايك وپيبلز وقبلهما ألفر وهيرمان. ولكن إلى أن حادَثَ الفلكيان دايك وپيبلز، فإنهما لم يكونا
يعرفان بالضبط ما اكتشفاه. وكان التفسير النظري ضروريا لتحويل هذا الكشف إلى اكتشاف حقيقي معلل. وقد تم هذا الاكتشاف بعد أكثر من عقد من الزمان، وذلك يعود بكل بساطة إلى أن العلماء في العالم تغاضوا عن البحوث المبكرة التي أنجزها گاموف وألفر وهيرمان.
وقد أُرسل تقريرا مجموعتي مختبرات بل وپرنستون إلى مجلة الفيزياء الفلكية Astrophysical Journal في الشهر 5/1965، ونُشرا في آن واحد في العدد الذي صدر في 1/7/1965. وإذ ذاك أُطلق العنان لسيل من المقالات في وسائل الإعلام العامة وفي المجلات العلمية المتخصصة. وحتى هويل نفسه أقر بأن نظرية الحالة المستقرة، على الأقل في صيغتها الأصلية، "يجب الآن نبذها"، وذلك على الرغم من أنه حاول في وقت لاحق التمسك بصيغة معدلة يمكنها تفسير الإشعاع المكروي الموجة. لكن توكيد بوندي إمكانية اختبار نظرية الحالة المستقرة أعاد الروح ثانية إلى أنصار هذه النظرية. وكل محاولة لجعل النظرية تفسر المكتشفات الجديدة كانت توصم بأنها تدخل في نطاق العلم الزائف.
وعلى الرغم من أن الصحافة تسرعت في الاستنتاج بأن پنزياس وويلسون برهنا بشكل حاسم على صحة نظرية الانفجار الأعظم، فإن العلماء كانوا يدركون بأن نتائج هذين العالِمين في هذا المضمار كانت مقصورة على قلة فقط من الأطوال الموجية متجمعة حول إحدى نهايتي منحني بلانك. وهناك تفسيرات أخرى لإشعاع الخلفية، يمكنها تعليل نقاط البيانات (المعطيات) تلك، كأن يكون هذا الإشعاع مجموعة من المنابع الراديوية. ولم يقتنع المتشككون بأن إشعاع الخلفية يتبع قانون بلانك إلا في منتصف السبعينات حين أُجري عدد كبير من القياسات بترددات مختلفة. وهنا أدى طيف جزيء CN دورا مهما، حين أحيا الفلكيون بحوث ماك كيلر المبكرة واعتمدوا عليها.
وبحلول أواخر السبعينات هجرت الأغلبية الساحقة من مؤيدي نظرية الحالة المستقرة هذه النظرية، أو أنهم ببساطة توقفوا عن نشر بحوث حولها. وقد أظهر استفتاء للفلكيين الأمريكيين أجراه في ذلك الوقت (من جامعة كاليفورنيا الحكومية) أن الأغلبية الساحقة من هؤلاء الفلكيين كانت تؤيد نظرية الانفجار الأعظم.
إن الاندثار السريع لنظرية الحالة المستقرة بعد عام 1965 يبين أن مبدأ پوپر، وليس مبدأ بلانك، هو الذي انتصر في هذه الحالة. واكتشاف الخلفية الكونية المكروية الموجة، مقرونا بمناقشات حول كميات الهيليوم ورصد منابع راديوية نائية وكوازارات، كل هذا قد أقنع معظم مؤيدي نظرية الحالة المستقرة بأن نظريتهم لم تعد تستحق المتابعة. وكل ما في الأمر أنها نظرية جُرِّبَت ووجد أنها ركيكة وليست في المستوى المطلوب.
بيد أنه في عام 1990، عندما كانت نظرية الحالة المستقرة قد طواها النسيان تقريبا، حاول هويل مع قلة من زملائه إحياءها على أنها نظرية "انفجار أعظم مصغرة" mini-"bigbang theory ، وحجتهم في ذلك أن الشواهد لا تؤيد فرضية أن انفجارا وحيدا قد صنع كل شيء. وقد لخص < G. بيربيدج> وجهة النظر هذه [انظر: "لماذا هذا الاعتقاد بحدوث انفجار أعظم واحد؟" مجلة العلوم ، العدد 5/6 (1993)، ص 109].
وعلى الرغم من أن مؤيدي نظرية الانفجار الأعظم يدحضون معظم هذه الانتقادات، فإن ثمة محيرات مازالت من دون حل. وعلى سبيل المثال، فإن الخلفية المكروية الموجة بدت جد ملساء، وهي تفتقر إلى وجود تغيرات طفيفة في درجات الحرارة، ومن ثم في الكثافة، الأمر الذي يبدو ضروريا لتفسير توزع التكتلات التثاقلية gravitational clumping. ومن دون هذا التوزع فلا يمكن أن يكون قد توفر وقت كاف لتوليد المجرات والبنى المجرية الفائقة supergalaction التي نشاهدها الآن.
لكنه في الشهر 4/1992 قدم وزملاؤه (في جامعة كاليفورنيا وفي مختبر لورنس بركلي) أدلة قد تملأ الثغرة في نظرية الانفجار الأعظم. فقد أعلنوا عن تحليلٍ لقياسات أجريت لإشعاع الخلفية الكونية جمعها مرصد يدور حول الأرض أُطلق عليه اسم مكتشف الخلفية الكونية Cosmic Background Explorer  COBE . فقد كشفت البيانات عن تغيرات طفيفة في درجات الحرارة في الخلفية الكونية، تماما كما كان يَتوقع منظرو الانفجار الأعظم. ويفسر الباحثون هذه "التموجات" ripples بأنها تقلبات في كثافة المادة والطاقة حدثت في طور مبكر جدا من تاريخ الكون. وقد تساعد هذه التموجات في تفسير طريقة تراكم المادة بتأثير قوة ثقالتها في الوقت المناسب لتكوين النجوم والمجرات وبنى أكبر في كوننا المعاصر.
تُرى، هل ابتدأ العالم حقيقة بالانفجار الأعظم، أم أنه كان هناك طورُ تقلص سابق ـ "انسحاق عظيم" big crunch ـ أدى إلى ارتفاع كبير في الحرارة والكثافة؟ هل سيواصل الكون تمدده إلى الأبد، أم أنه سينهار في نهاية المطاف إلى ثقب أسود؟ هل تم خلق الكون وفق النظرية الكمومية بصورة أساسية؟ إن هذه الأفكار تهيمن الآن على التفكير الفيزيائي.
..........................
في نهايه هذا المقال اخواني لا يسعني الا أن أقول سبحان الله خالق هذا الكون العظيم
كان وما زال هذا الكون يحمل الكثير من الاسرار
أخوكم في الله
ابن القيم

أكتوبر 19, 2008, 01:20:17 صباحاً
رد #1

gooogle

  • عضو مبتدى

  • *

  • 9
    مشاركة

    • مشاهدة الملف الشخصي
كيف صارت الكوسمولوجيا علمًا
« رد #1 في: أكتوبر 19, 2008, 01:20:17 صباحاً »
مرحبا اخي

المقال طويل كثير

و يخوف

 ما يخلصني اجعد نصف ساعة اقراء كل هذا '<img'>

لكن جزاك الله كل خير  ':203:'

أكتوبر 19, 2008, 01:21:10 صباحاً
رد #2

شرشبيل

  • عضو خبير

  • *****

  • 2558
    مشاركة

  • مشرفة الكيمياء

    • مشاهدة الملف الشخصي
كيف صارت الكوسمولوجيا علمًا
« رد #2 في: أكتوبر 19, 2008, 01:21:10 صباحاً »
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

   الأخ القدير " ابن القيم " ... المقال أكثر من رائع والاشعة هي عالميــ .. '<img'>

    لي عودة متعمقة بإذن الله .... ألف شكر لجهدك الطيب .. ':203:'


    وفقك الله ... أختك : شرشبيـــل
      نـحـن والكيميـاء..(للمـناقشة)

                                          ** "وَاتَّقُـوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّه" **
          


                      دعــــــــــــــواتكم لي بالتوفيــــــــــــــــق

أكتوبر 19, 2008, 04:30:58 مساءاً
رد #3

طبيبة المستقبل

  • عضو مساعد

  • **

  • 227
    مشاركة

    • مشاهدة الملف الشخصي
كيف صارت الكوسمولوجيا علمًا
« رد #3 في: أكتوبر 19, 2008, 04:30:58 مساءاً »
شكرا اخويه ابن القيم على الطرح الرائع

جزاك الله خير ورزقك الصحه الدائمه

تقبل مروري
طبيبة المستقبل
 ':110:'

أكتوبر 20, 2008, 03:47:55 صباحاً
رد #4

ابن القيم

  • عضو مشارك

  • ***

  • 399
    مشاركة

  • مشرف قسم الفلك

    • مشاهدة الملف الشخصي
كيف صارت الكوسمولوجيا علمًا
« رد #4 في: أكتوبر 20, 2008, 03:47:55 صباحاً »

(gooogle @ 19/10/2008 الساعة 00:20)
QUOTE
مرحبا اخي

المقال طويل كثير

و يخوف

 ما يخلصني اجعد نصف ساعة اقراء كل هذا '<img'>

لكن جزاك الله كل خير  ':203:'

مرحبا بك google
أسعدني مرورك أخي العزيز
نعم المقال كبير ولكنه يحوي الكثير من المعلومات



أكتوبر 20, 2008, 03:50:30 صباحاً
رد #5

ابن القيم

  • عضو مشارك

  • ***

  • 399
    مشاركة

  • مشرف قسم الفلك

    • مشاهدة الملف الشخصي
كيف صارت الكوسمولوجيا علمًا
« رد #5 في: أكتوبر 20, 2008, 03:50:30 صباحاً »

(شرشبيل @ 19/10/2008 الساعة 00:21)
QUOTE
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

   الأخ القدير " ابن القيم " ... المقال أكثر من رائع والاشعة هي عالميــ .. '<img'>

    لي عودة متعمقة بإذن الله .... ألف شكر لجهدك الطيب .. ':203:'


    وفقك الله ... أختك : شرشبيـــل

أختي العزيزه شرشبيل أسعدني مرورك كثيرا ومنتظر عودتك
ووفقك الله الي الخير دائما



أكتوبر 20, 2008, 03:52:52 صباحاً
رد #6

ابن القيم

  • عضو مشارك

  • ***

  • 399
    مشاركة

  • مشرف قسم الفلك

    • مشاهدة الملف الشخصي
كيف صارت الكوسمولوجيا علمًا
« رد #6 في: أكتوبر 20, 2008, 03:52:52 صباحاً »

(طبيبة المستقبل @ 19/10/2008 الساعة 15:30)
QUOTE
شكرا اخويه ابن القيم على الطرح الرائع

جزاك الله خير ورزقك الصحه الدائمه

تقبل مروري
طبيبة المستقبل
 ':110:'

أسعدني مرورك أختي الكريمه طبيبة المستقبل



سبتمبر 02, 2009, 06:25:46 مساءاً
رد #7

amona alymona

  • عضو متقدم

  • ****

  • 761
    مشاركة

  • عضوة مجلس الفلك

    • مشاهدة الملف الشخصي
كيف صارت الكوسمولوجيا علمًا
« رد #7 في: سبتمبر 02, 2009, 06:25:46 مساءاً »
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ..،

المقال رائع بكل معنى الكلمة ، مشبّع بالمعلومات ..،

ألف شكر لك أخي ابن القيم ..،

 ':003:'

دمت بود  '<img'>


أنا البحر في أحشائه الدرّ كامن     فهل سألوا الغواص عن صدفاتي