Advanced Search

المحرر موضوع: الـعـمـل يـحـدد الـقـيـمـة  (زيارة 335 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

نوفمبر 10, 2002, 01:57:46 صباحاً
زيارة 335 مرات

إداري

  • عضو مشارك

  • ***

  • 292
    مشاركة

    • مشاهدة الملف الشخصي
الـعـمـل يـحـدد الـقـيـمـة
« في: نوفمبر 10, 2002, 01:57:46 صباحاً »
الـعـمـل يـحـدد الـقـيـمـة


 

بـسـم الله الـرحـمـن الـرحـيـم


مع أنّ علم الإقتصاد يعدّ حالياً أحد أهم المسائل وأكثرها تأثيراً في العلوم الإجتماعية، لكنه علم حديث، دُوِّنت أُسسه وأصوله منذ أربعة (أو خمسة) قرون فقط، فأصبح مثل سائر العلوم له مبادئ وقوانين.


 

ولذلك عندما نتحدث عن الإقتصاد في الإسلام، فإننا نعني الأحكام والقوانين التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمسائل هذا العلم، وإن لم يرد اسمه أو ذكر أصوله ـ كعلم ـ في النصوص الدينية. (1) ومن خلال مطالعة هذه الأبحاث، يدرك القارئ جيداً أنّ القوانين الإقتصادية الإسلامية وضعت وعرضت للعالم بمنتهى الدقة، آخذة بنظر الاعتبار تحولات الزمان، دون أن تسمح باستغلال العامل أو إضمار الحقد لرب العمل، ومتسمة ببعد نظر خاص يؤكد كونها من آثار القوانين الإلهية.


وبما أنّ توضيح أبعاد هذه المدرسة والدفاع عنها بحاجة الى عدة مقدمات ليتم الرد على الانتقادات التي قد توجه الى هذا الأصول، لذلك ندعو القراء الى مطالعة هذه السلسلة من الأبحاث. (2)


تتلخص العناصر الأساسية للاقتصاد في ثلاثة، هي: العمل - المال - الآلة. ومن خلال معرفة هذه العناصر الثلاثة ودور كل منها في الإنتاج، يمكن بيان أصول النظم الإقتصادية المختلفة في العالم.


ويختلف مؤسسو هذه النظم حول دور كل واحد من هذه العناصر العملية الإنتاجية، فقسّموا، في نهاية الأمر، العالم الى مجموعتين أصليتين وعدة وحدات إقتصادية مختلفة.


فقد منحت مجموعة من الإقتصاديين القدماء والجدد الدور الأكبر والأساس في هذا التقسيم الى رأس المال، ولم يعترفوا للعامل إلاّ بـ"الأجور"، أي المبلغ الذي يؤمّن له الحياة ليستأنف العمل مرة أخرى.


وقد تعرّض هذا النظام – الذي أطلقوا عليه: الرأسمالية على طول التاريخ – لتغييرات كمية مهمة، حيث زادت هذه الأجور وتحسّن الوضع المعيشي للعامل وفقاً لتطور الحياة المادية وارتفاع مستوى المعيشة.


ولكن هذه التغييرات كانت في أساسها تغييرات شكلية ولم يكن للعامل حصة في نتيجة العمل، ولم تتغير نظرة رب العمل إليه. "إنه أحد وسائل الإنتاج، وينبغي الإحتفاظ به للعمل والترغيب فيه بأقل التكاليف والأجور التي تنطبق مع الأوضاع والتحولات العالمية". (3)


وقد اتبع هذا الأسلوب "المركانتليون" (4) (أحد المذاهب الإقتصادية القديمة، عاش أتباعه عموماً في القرن السادس الميلادي في إسبانيا والبرتغال)، والفيزيوقراطيون (5) (عاش علماء ومؤسسو هذا المذهب في أواخر القرن الثامن عشر في فرنسا وسائر أنحاء أوروبا) واتبعته معظم الاتجاهات الإقتصادية المعاصرة أيضاً. (6)


وقد سلك عدد من علماء الإقتصاد، خاصة في القرن التاسع عشر الميلادي، إتجاهاً معاكساً تماماً، وقالوا: إنّ الناتج الحاصل بأجمعه هو من نصيب العامل، ولم يعترفوا بأية حصة لرأس المال ووسائل الإنتاج.


وأطلق هؤلاء على الربح الذي يجنيه رب العمل من الإنتاج تسمية "القيمة الفائضة" (7) أو بالأحرى: فائض القيمة. واعتبروا ذلك نوعاً من السرقة والتجاوز على حقوق العامل، ووجهوا حربة كفاحهم السياسي والفكري ضد هذا الربح، الذي يعدّ أساس الرأسمالية وفق اعتقادهم. ويعدّ الماركسيون - الذي يتبعون "ماركس" (8)، العالم الإقتصادي الألماني المعروف - من أبرز أنصار هذه النظرية.


وتقسم المجموعة الثالثة الربح الناتج على العناصر الثلاثة المذكورة - أي العمل ورأس المال والآلة - ويرَون ضرورة انتفاع هذه العناصر الثلاثة مع وجود الإختلافات المتنوعة.


وتقع ضمن هذه المجموعة النظم الرأسمالية الإرشادية (أي أنصار تدخل وإرشاد الدولة في الإنتاج).


وقد حاولنا في هذه الأبحاث أن ندرس - بدقة وموضوعية وبعبارات واضحة وبعيداً عن التعصب – هذا الإختلاف الكبير الذي يعدّ أساس أهم مشكلات العصر، متفهمين جيداً هدف مؤسسي هذه المناهج، منتقدين إياها ومذعنين للحق في أي جانب كان.


وسنتناول دراسة هذا الهدف ضمن الإجابة عن الأسئلة التالية:


1- هل العمل هو العامل والوحيد في تحديد قيمة الأشياء؟


2- هل تسير ثروة الإنسان نحو الإزدياد؟


3- كيف يجب توزيع السلعة المنتجة والربح الحاصل منها؟


4- ما هي مصادر ظهور رؤوس الأموال الموجودة؟ وهل يمكن اعتبارها مشروعة؟


العمل وتحدد القيمة:


سنوضح أولاً كمقدمة معنى الإنتاج، وكذلك المقصود من الإحتياجات الإقتصادية من حيث العلاقة بموضوع بحثنا:


الإنتـاج، وخلافاً لمفهومه الظاهري المتداول في البحوث الإقتصادية، لا يطلق على خلق وإيجاد مادة معيّنة، بل على النشاط الذي يؤدي لإيجاد وضع جديد وحالة جديدة في الموجود، بشرط أن يجعل هذا الوضع وهذه الحالة ذلك الموجود قابلاً للإستخدام.. مثلاً: يقوم مصنع صهر المعادن بعزل مركبات الحديد الخام بعضها عن بعض بطريقة خاصة، ويضع الحديد الخالص بيد الصانع الذي بدوره يحوّل هذا المعدن الخالص الى أعمدة حديدية وسيارة وباب وقفل ومفتاح، أو يحوّل معدناً نفيساً الى أشياء جميلة تُستخدم للزينة.


في هذه الأمثلة: يسمى تصفية الحديد وتغيير شكله، وجعله خالصاً وقابلاً للإستخدام، وكذلك تحويل المعدن النفيس الى شيء جميل، إنتاجاً. في حين لم يتم خلق أي شيء في هذه الأمثلة الثلاثة، وإنما تجلّت الصناعة وظهرت حالة خاصة في هذه الموجودات يستفيد منها المستهلك.


والفلاح أيضاً لا يُستثنى من هذا القانون! حيث أنّ فعالياته من الحرث والسقي والزرع، وبمساعدة العوامل الطبيعية المختلفة من الماء والهواء وأشعة الشمس، تحدث تحولاً في حبة القمح أو سائر المحصولات وتجعلها قابلة للأكل.


هذا النوع من التحولات يسمى في علم الإقتصاد بالتحولات الكمية.


وقد عدّ علماء الإقتصاد التجارة أيضاً عملاً إنتاجياً، لأنها تمنح حالة جديدة للسلعة من خلال الحمل والنقل والتوزيع، وتجعلها في متناول المستهلك.


هكذا عرفوا الإحتياجات الإقتصادية:


لا تطلق الحاجة في علم الإقتصاد على معاناة الإنسان إزاء حرمانه من شيء فحسب، بل إنّ كل رغبات الإنسان تعدّ من وجهة النظر الإقتصادية حاجة. وبناءاً على هذا، فإنّ كل شيء يرغب فيه الإنسان ويميل إليه يُعتبر ضمن الإحتياجات الإقتصادية، سواء كان هذا الشيء من ضرورات حياته، أو من وسائل الترفيه أو للترف. ولا نريد الخوض في تفاصيل أكثر بهذا الصدد، بل نتحدث حول السؤال ذي العلاقة بالبحث. ومن خلال دراسة أولية لمختلف الأشياء نتوصل الى أنّ قيمها تتوقف على العاملين التاليين:


أ) الحاجة الإقتصادية الى ذلك الشيء، بحيث كلما ازدادت الحاجة إليه وأصبح كثير الإستهلاك، إرتفعت قيمته.


ب) قلّته أو كثرته في الطبيعة، وبتعبير آخر: كون الشيء في متناول اليد، بحيث كلما كثر مقدار وجوده إنخفضت قيمته، وكلما قلّ وجوده إرتفعت قيمته. وعليه، تكون العلاقة بين القيمة ومدى توافره في الطبيعة علاقة عكسية.


ما تم طرحه حتى الآن واضح لا شك فيه، ولكنهم عدّوا مثل هذه القيمة ذاتية وطبيعية، ولم يعترفوا بها لأنها تختلف تبعاً للحالات والخصوصيات الموجودة في الإنسان. وطرحوا قيمة أخرى باسم القيمة التجارية وعرّفوها بـ"قياس الأهمية الإقتصادية لشيئين أو أكثر في العلاقات الإقتصادية بين أفراد المجتمع".


وبعبارة أوضح: أطلقوا على العلاقة المعيّنة التي يتم بموجبها تبادل البضائع المختلفة تسمية القيمة التبادلية، سواء كان هذا التبادل مباشراً وبدون تدخل النقد، أو بالنقد الذي يعدّ في الحقيقة وسيلة بحتة، وتعبيراً عن القدرة الشرائية ووثيقة مقدار البضاعة. وقد جرى البحث حول هذا النوع من القيمة والعامل الذي يحددها، حيث يعتقد "ماركس" أنّ العمل هو وحده الذي يحدد هذه القيمة لأنه هو العامل المشترك الوحيد بين المحصولات المنتجة والمتبادلة. إذ يقول: إنّ كل سلعة هي في الحقيقة عبارة عن كمية من العمل المتجسد فيها، أو أنّ العمل هو جوهر القيمة التبادلية حسب تعبيره. وبناءاً على ذلك، يكون السلع في الحقيقة تبادلاً بين الأعمال المختلفة.


ويقول أيضاً: إذا أسقطنا العمل من الحساب فلا يبقى هناك أي عامل مشترك يجمع بين البضائع التي تختلف عن بعضها اختلافاً كاملاً من حيث النوع والصفة.


ويقول "ماركس" في كتابه المعروف "رأس المال":


"لنفرض أنّ 75 كيلو غراماً من الحنطة يساوي مئة كيلو غرام من الحديد، فماذا يعني هذا التساوي؟ يعني أنّ هناك عاملاً مشتركاً بين هذين الشيئين (الحنطة والحديد)، ولا يمكن أن يكون هذا العامل المشترك من خصائصهما الطبيعية، لأنّ هذه الخصائص لا تدخل في الحساب إلاّ بقدر ما تمنحهما من منفعة إستهلاكية. فإذا أسقطنا الخواص الطبيعية، أي المنفعة الإستهلاكية، عن الحساب، فإنه لا يبقى للسلع إلاّ صفة واحدة، وهي أنها نتيجة للعمل".


ثم بحث في شرح العمل الذي يعدّه عامل تحديد القيمة، وفسّره بالعمل الإجتماعي، معتبراً الأعمال غير الإجتماعية خارجة عن البحث، وقسّم بعد ذلك الأعمال الى بسيطة ومركبة، ومتجسدة ومجردة، واعتبر العمل البسيط والمجرد هو المعيار.


وفي توضيح هذا الجانب سنتحدث عن آراء ومعتقدات "ماركس"، فنبحث بشكل عامل في هذه النظرية التي تعدّ أحد أهم أفكار "ماركس" الإقتصادية: "العمل هو العامل الوحيد لإيجاد القيمة التبادلية والعامل المشترك الوحيد في تبادل السلع".


في البدء نطرح سؤالين. وبعد توضيح الأمثلة، نبدأ بنقد هذه النظرية:


ثمة سلعتان متساويتان على مستوى الحاجة البشرية إليهما، ومتساويتان أيضاً من حيث الوفرة، وإن استنزفت إحداهما عملاً أكثر من الأخرى في الإنتاج، ففي هذه الحالة هل يتم تبادل سلعتي العمل هاتين بالتساوي أم لا؟


وإذا استهلكت السلعتان عملاً متساوياً في الإنتاج، ولكن كانت الحاجة الإقتصادية الى إحداهما أكثر من الأخرى أو تتوافر إحداهما أكثر من الأخرى، هل تكون قيمتاهما متساويتين؟


مثلاً: هناك سلع متوافرة بشكل طبيعي وذات قيمة مرتفعة، ولكن يجري عليها عمل قليل، وتكون أحياناً أعلى قيمة – بكثير من بضائع استهلكت عملاً كثيراً. فقيمة النفط الخام والمياه المعدنية والأحجار النفيسة والسمك وأنواع الصيد، أعلى بكثير من قيمة أحجار البناء والطابوق والجص والحطب الذي يجلب الىالمدينة كوقود. بل هناك سلع ذات قيمة مرتفعة من دون أن يبذل أي عمل فيها مثل الينابيع، وبالعكس فقيمة المجوهرات المصنعة التي تبذل أعمال كثيرة ومعقدة لصياغتها أقل بكثير من قيمة المجوهرات الطبيعية.


وقد يبذل خياطان في إنتاج قطعتي لباس، أو رسامان لتحضير لوحتين، أو فنانان لعملين فنيين، جهداً متساوياً، ولكن تتدخل عوامل كالمهارة والشهرة والموضة والصدفة فتجعل قيمة إحداهما أكثر من الأخرى. وأخيراً نلاحظ عجز هذه النظرية عن تبرير وبيان أسباب رخص إنتاج الصناعة الآلية إزاء إنتاج الصناعة اليدوية، كالسجاد مثلاً.


من خلال التأمل في السؤالين السابقين ودراسة هذه الأمثلة وغيرها، يدرك المرء جيداً أنّ العمل لم يكن وحده عاملاً مؤثراً في كمية القيمة التبادلية. بل إنّ التأثير الأكبر هو للعاملين السابقين أي مقدار الحاجة الى السلعة وكثرتها، واللذين يمكن التعبير عنهما بالعرض والطلب بالمعنى الواسع. ومن البديهي أن يجري تقييم معدّل هذين العاملين أو تقييمهما معاً، كما يقول "ماركس".


ومن خلال دراسة الموضوعات أعلاه نستطيع اختيار الكسر التالي لمعادلة القيمة:


الحاجة الإقتصادية إليها


وفرتها


قيمة السلعة (التبادلية والطبيعية)


واللافت للإنتباه في المعادلة السابقة هو أنّ هذين العاملين، المعبّر عنهما بصورة البسط والمقام، يشتركان في جميع السلع ولا يقتصران على العمل، وبذلك يمكن رفض أهم أدلة النظرية السابقة.


ونظراً لصعوبة مراعاة هذه المعادلة ومراعاة معدّلها أو مجموعها، وتلافي أخطائها، جُعل النقد وحدة التقييم، فأصبح يمثل القدرة الشرائية ومقياس القيمة التبادلية، فضلاً عن كونه ممثلاً عن مقدار السلعة التي يتم عرضها وتقديمها الى المجتمع.


يقول البروفسور "جيد" العالم الإقتصادي الفرنسي المعروف، حول القيمة التبادلية:


"لا شك أنّ العمل والطبيعة يخلقان موضوع القيمة، ولكن القيمة لا تكمن في هذا الموضوع بل في خارجه.. فالقيمة عبارة عن خيط من ضوء رغبتنا وأملنا الذي يسلط على الأشياء فتلمع قيمتها ما دامت الأضواء مسلّطة عليها ثم يلفّها الظلام. فلو كانت قيمة كل شيء هي العمل المتجسد فيه، لا بد من الإذعان – إذاً – الى أنّ كل قيمة ستبقى ثابتة حتماً لأنه لا يمكن تغيير ما قد مضى ولا يمكن القيام بعمل للحيلولة دون وقوع ما قد حدث".


وينتقد البروفسور "جيد" نظريات "ماركس" حول العمل المجرد والعمل المتجسد، وتغيير الأعمال المعقدة الى بسيطة، وكيفية احتساب الزمن اللازم للعمل، ويعتبرها أموراً نظرية وفرضيات غير علمية.


وحول عامل تحديد القيمة طرحت نظريات أخرى من قِبل المدرسة الكلاسيكية (من المدارس الإقتصادية البريطانية القديمة)، ومن قِبل علماء المدرسة الروحية الذين ظهروا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي. ولكن نظراً للبحث التفصيلي حول نظرية "ماركس" وللشرح الذي قدّمناه في مجال التوضيح، لا نعتقد أنّ هناك حاجة لانتقاد وبحث هذه الآراء بشكل مستقل. ولذلك نبدأ بالإجابة عن سؤالنا الثاني.
إن الذين يحاولون طعن العمل الوحدوي العربي من أساسه مستدلين بخلافات الانظمة العربية، هؤلاء أصحاب نظرة سطحية للواقع الفعلي لامتنا العربية